المشهد السياسي
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
1- أصابت امرأة وأخطأ عمر... بين الخطباء والساسة
في وقت كان العالم الغربي يئن تحت وطأة نظام اجتمعت فيه الديكتاتورية الدينية ممثلة في الكنيسة مع الديكتاتورية السياسية مع الاستبداد المالي ممثلاً في الإقطاع، كانت أنوار الإسلام تشرق على العالم وتعلن معها انتهاء تلك العبودية، كما عبر عن ذلك ربعي بن عامر -رضي الله عنه- في خطابه لـ"رستم" قائد الفرس حينما خاطبه بقوله: "الله ابتعثنا لإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة".
لم يكن إخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد شعارًا مفرغًا من المضمون أو من الخطوات العملية لتطبيقه، حاشا لله من أن يكون شرعه كذلك! وإنما كان معه نظام سياسي محكم من أهم مبادئه: "الشورى": ( وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ) (الشورى:38) ، ومنها: تقرير مبدأ المساءلة كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( أَلا كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ... ) (متفق عليه) ، فها هنا قرر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن تولي الأمر رعاية ومسئولية "والمسئولية هنا محمولة على معناها اللغوي الطبيعي، فهي اسم مفعول لا وصف تفخيم وتعظيم كما ترسخ في أذهان الكثيرين من كثرة ما استعمل ذلك الوصف لهذا الغرض في ظل النظم الشمولية التي حكمنا بها لفترات طويلة".
والرعاية تقتضي ممن وَلي الأمر أن يبذل غاية وسعه في القيام بحاجات رعيته، والمسئولية نوعان: أحدهما في الآخرة: يوم يقف أمام الله -تعالى- فيسأله عن هذه الأمانة كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لأبي ذر -رضي الله عنه- منفرًا إياه من تولي هذه المسئولية -ولو كان مالاً ليتيم-: ( يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ ضَعِيفٌ وَإِنَّهَا أَمَانَةُ، وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ، إِلا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَ ) (رواه مسلم) .
والثاني: أمام الأمة التي لم يكتفِ الشرع بأن يعطيها حق المساءلة، بل جعلها واجبة عليها وهي واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل جعل الله -تعالى- ذلك الأمر سببًا لخيرية هذه الأمة: ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ) (آل عمران:110) .
وهذا الواجب لا يُستثنى منه الحكام كما قد يتوهم البعض، بل يتأكد في حقهم كما قال -صلى الله عليه وسلم -: ( الدِّينُ النَّصِيحَةُ ) قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: ( لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ ) (رواه مسلم) ، ويتأكد هذا في حق الحاكم الذي يرفض النصيحة أو يعاقب عليها؛ لما في ذلك من كسر حاجز الخوف عند الناس وحاجز الكبر والطغيان عند ذلك الحاكم فقال -صلى الله عليه وسلم-: ( سَيِّد الشُّهَدَاءِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وَرَجُلٌ قَامَ إلَى إمَامٍ جائرٍ فَأَمَرَهُ وَنَهَاهُ فَقَتَلَهُ ) (رواه الترمذي والحاكم، وحسنه الألباني) ، وكما قال -صلى الله عليه وسلم-: ( سَتَكُونُ أُمَرَاءُ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ عَرَفَ بَرِئَ وَمَنْ أَنْكَرَ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ ) (رواه مسلم) .
ولم يشهد عصر النبوة صورًا يمكن تصنيفها على أنها من إنكار منكرات الحكام؛ نظرًا لعصمة النبي -صلى الله عليه وسلم- من الظلم والجور؛ وإن كان عصر النبوة قد شهد مراجعات للنبي -صلى الله عليه وسلم- أبدى فيها بعض الصحابة رأيًا مخالفًا له -صلى الله عليه وسلم- إعمالاً للشورى، من أشهرها: قصة "الحباب بن المنذر" -رضي الله عنه- في غزوة بدر حينما أشار على النبي -صلى الله عليه وسلم- بالنزول عند بئر بدر.
وبدأ عهد الخلفاء الراشدين بتلك الخطبة العظيمة التي قال فيها أبو بكر -رضي الله عنه-: "إذا أصبت فأعينوني وإذا أسأت فقوموني"، ثم جاء عصر عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- والذي افتتح بخطبة مماثلة لخطبة سلفه، ونتيجة لطول مدة ولايته مقارنة بمدة أبي بكر -رضي الله عنه-؛ ولكثرة ما تعرض من مواقف اقترن اسم عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- بالحاكم العادل، ونُقل عنه في ذلك أقوال وأفعال، وقيل فيه كذلك أقوال، فمن أقواله التي حملتها عنه الأجيال: "لو أن دابة عثرت في العراق لخشيت أن يُسأل عنها عمر"، ومما قيل فيه -رضي الله عنه- قول رسول كسرى إليه لما وجده نائمًا تحت ظل شجرة متوسدًا بنعله: "حكمت فعدلت فأمنت فنمت يا عمر".
ومن أكثر ما اشتهر على ألسنة الناس من قصص عدله -رضي الله عنه- "ثلاثة مواقف":
الأول: "قصة الثوبين"
وقد ذكرها أبو الفرج -ابن الجوزي- في كتاب مختصر الحلية عن العتبي قال: "بعث إلى عمر حلل فقسمها فأصاب كل رجل ثوب، ثم صعد المنبر وعليه حلة والحلة ثوبان فقال أيها الناس ألا تسمعون؟ فقال سلمان: لا نسمع. فقال عمر: ولم يا أبا عبد الله؟! قال لأنك قسمت علينا ثوبًا ثوبًا وعليك حلة! فقال: لا تعجل يا أبا عبد الله ثم نادى: يا عبد الله فلم يجب أحد، فقال يا عبد الله بن عمر فقال: لبيك يا أمير المؤمنين، قال: نشدتك الله الثوب الذي ائتزرت به أهو ثوبك؟ قال: اللهم نعم، قال سلمان" نسمع". وهذه القصة على شهرتها تُروى بغير سند غير أن فحواها لا يختلف كثيرًا عن الموقف الآتي:
الثاني: قصة مراجعة المرأة له -رضي الله عنه- في المغالاة في المهور