المشهد السياسي
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
قال عبد الله بن مصعب: خطب عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فقال: لا تزيدوا مهور النساء على أربعين أوقية وإن كانت بنت ذي الفضة، يعني يزيد بن الحصين الحارثي، فمن زاد ألقيت الزيادة في بيت المال، فقامت امرأة في صف النساء فقالت: ما ذاك لك! قال: ولم؟ قالت: أيعطينا الله قنطارًا وأنت تحرمنا إياه؟ وتلت قوله -تعالى- من سورة النساء: ( وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ) (النساء:20) ، فقال عمر -رضوان الله عليه- قولته المشهورة: "أخطأ عمر وأصابت امرأة"، وقال: "كل الناس أفقه منك يا عمر، ليت أم عمر لم تلد عمر!". وهذه القصة اختلف أهل العلم فيها بيْن من حكم عليها بالضعف ومن رفعها لدرجة الحسن لغيره "اعتمدنا في هذه القصة على تلك الرواية التي أوردناها؛ لأن فيها ما يمكن استدراكه على عمر وهو أخذه ما زاد من المهر عن الأربعين أوقية، وهو مناف للآية كما ورد على لسان المرأة، وأما الرواية الأكثر شهرة والتي ليس فيها إلا أن عمر نهى الناس عن المغالاة في المهور فليست معارضة للآية، بل وموافقة لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( خَيْرُ النِّكَاحِ أَيْسَرُهُ ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) ، والجدير بالذكر أن العلامة الألباني ضعَّف الرواية المشهورة من جهة المتن فضلاً عن السند لهذا السبب".
وعلى أي فنحن هنا لا يعنينا الصحة من الضعف بقدر ما يعنينا أن نؤكد أن النموذج الذي بشر به خطباء الصحوة الإسلامية الناس يتضمن أن تنكر على الحاكم علنًا وفي المسجد وفي أمور تحتمل التأويل، وأن هذه هي الممارسة الصحيحة للحرية السياسية التي يحرص عليها الرعية ويسر بها الإمام، وهذا ما يدندن حوله الخطباء دائمًا؛ ومِن ثَمَّ فلا يكتفون بما مضى حتى يضيفوا تلك القصة الثالثة.
الثالث: "الحمد لله الذي جعل في أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- من يقَوِِّم عمر بسيفه!"
ومفاد تلك القصة أن عمر -رضي الله عنه- قال في خطبته: "إذا أحسنت فأعينوني، وإذا أسأت فقوموني"، فقام له الرجل فقال: لو رأينا فيك اعوجاجا، لقوّمناه بسيوفنا! فرد عمر: "الحمد لله الذي جعل في أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- من يقَوِّم عمر بسيفه!"..
وهي قصة واهية سندًا ومتنًا، وتخالف إجماع أهل العلم على عدم الخروج على الحاكم بالسيف، ولكن هناك أثرًا أجود سندًا ومتنًا من ذلك الأثر المشهور ذكره "الذهبي" -رحمه الله- في سير أعلام النبلاء عن موسى بن أبي عيسى قال: "أتى عمر مشربة بني حارثة فوجد محمد بن مسلمة، فقال: يا محمد، كيف تراني؟ قال: أراك كما أحب، وكما يحب من يحب لك الخير، قويًّا على جمع المال عفيفًا عنه، عدلاً في قسمه، ولو ملت عدلناك، كما يعدل السهم في الثـِّقَاف فقال عمر: "الحمد لله الذي جعلني في قوم إذا ملت عدلوني".
إذن نخلص من هذا العرض لأشهر ثلاثة مواقف عن عدل عمر -رضي الله عنه- وعن الحرية السياسية في عهده إلى أن الثابت من ذلك قوله: "الحمد لله الذي جعلني في قوم إذا ملت عدلوني"، وقوله: "أصابت امرأة وأخطأ عمر"، وقد قدمنا لك أن هذه هي الصورة التي قدمها خطباؤنا لجمهور الناس.
وأهم من ذلك: أن كثيرًا من مرشحي الرئاسة ومنهم: الدكتور "مرسي" قد قالوا في مؤتمراتهم الانتخابية أو قيل نيابة عنهم مثل ذلك الكلام؛ مما يدل على أن هذا "عقد بينهم وبين ناخبيهم".
وإذا كان الناخبون قد تغاضوا عن ذكر آمال بعيدة المدى، مثل هتاف: "على القدس رايحين شهداء بالملايين"، والذي ردده بعض المتحمسين للدكتور "مرسي" في المؤتمرات الانتخابية رغم علم الجميع أن هذه الانتخابات ينتج عنها رئيس لمدة أربع سنوات سوف لا يُتوقع خلالها ولا خلال الأربع التي بعدها أن تُلغى "اتفاقية السلام" كأحد أهم الموانع من انطلاق الملايين إلى القدس - فإذا كان من الممكن تجاوز ذلك الهتاف -العاطفي- فلا يمكن قط أن يُفاجأ الناس بأن الرئيس الذي كانت أدبياته وأدبيات جماعته تتحدث عن ترحيب وسرور الحاكم "المستجمع لأعلى درجات القوة والمكانة في زمنه كعمر -رضي الله عنه-" لدرجات حادة من النقد -تبلغ حد التقويم بالسيف وفق الراوية التي يفضلها الخطباء أو التقويم كما يقوم السهم كما في الرواية الأثبت- ردًا على خطأ في اجتهاد -كما في قصة المرأة- أو بناء على انحراف متوهم -كما في قصة الثوبين- أنه لا يُقبل في حقه ذلك!
لقد كان بعض من المنتسبين للدعوة قبل الثورة يدافعون عن الحاكم الظالم بإنزال نصوص في غير موضعها مثل قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَإِنِ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ ) (رواه البخاري) ، وكانت معظم فصائل الصحوة تواجههم بمثل هذه النصوص -السالفة الذكر- في الإنكار على أفاضل الحكام كعمر -رضي الله عنه-؛ لكي تبين لهم أن عليهم أن يفهموا ما تمسكوا به من نصوص على ضوء غيرها من النصوص الأخرى وبناءً على هدى السلف في تطبيقها، والآن بعد أن أصبح لدينا رئيس إسلامي نسي البعض تلك الأدلة! وترسب في عقله الباطن أننا كنا نواجه بها الحاكم العالماني الجائر، وهذا صحيح ولكن هذا لا يعني إطلاقًا أن نخصها به؛ لا سيما أن منها ما ثبت في حق عمر -رضي الله عنه-.
إن محاولة بسط الحماية للرئيس الإسلامي سواء من النصيحة مطلقًا أو حتى تقييدها بالنصيحة في السر في الأمور العامة المعلنة التي تعلق حق لعموم الأمة فيها -وليس الحاكم وحده- هو:
أولاً: مخالف للنصوص الشرعية.
ثانيًا: مخالف لما وعدنا به الناس.
ثالثًا: من الناحية السياسية تتعرض التجربة الإسلامية بأسرها للخطر؛ حيث يفقد الناس الثقة بالخطاب الإسلامي، والأخطر من ذلك: أن يترسب لديهم أن الإسلاميين يوظفون ثقة الناس بهم ليختاروا لهم من بين أنفسهم رئيسًا ثم إذا وصل إلى الكرسي أحاطوه بسياج من التقديس! أو على الأقل لا ينصحون له فيما يتعلق بمصالح الناس.