شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

سيرة الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب

زين العابدين كامل • السيرة والتاريخ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإننا نعاني في هذه الفترة من الإعلام الفاسد المضلل، إعلام الدجال الأعور الذي تمكن من عقول الناس، بل ومن قلوبهم أيضًا!

الإعلام الذي يغير الحقائق ويزيفها ويلبس الحق بالباطل والذي أوحى للناس أن السلفية تنحصر في التشدد والرجعية والتخلف، وفي المذهب الحنبلي وفكر ابن تيمية وابن القيم والفكر الوهابي -كما يزعمون-؛ حتى أصبحت كلمة الوهابية تهمة وسبة عند البعض.

وفي هذه الأسطر نتحدث عن الشيخ الإمام المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- الذي تنسب إليه كلمة الوهابية ، فلقد حفظ الله هذه الأمة بوجود طائفة فيها، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: ( لاَ يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي أُمَّةٌ قَائِمَةٌ بِأَمْرِ اللَّهِ، لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، وَلاَ مَنْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ ) (متفق عليه) ، بل إنه حفظ كل قرن من الزمان بمجدد يبعثه الله -عز وجل- على رأس كل مائة عام يجدد للأمة أمر هذا الدين.

وقد قيض الله للأمة على فترات من الزمن من أبنائها المخلصين من يذود عن حمى الإسلام وحرماته؛ جهادًا بالسيف والقلم واللسان منذ فجر الإسلام إلى اليوم وإلى أن تقوم الساعة بمشيئة الله، ومن هؤلاء: الشيخ "محمد بن عبد الوهاب" -رحمه الله- فلقد أذن الله -سبحانه وتعالى- بظهور دعوة الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب في منتصف القرن الثاني عشر الهجري، بعد أن أطبقت الجهالة على الأرض وخيمت الظلمات على البلاد، وانتشر الشرك والضلال والابتداع في الدين ولكن الله -عز وجل- قضى بحفظ دينه وكتابه وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-.

ويمكننا القول إن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- تعد البداية الحقيقية لما حدث في العالم الإسلامي من يقظة جاءت بعد سبات طويل ، وقد ولد هذا الإمام في عام 1115هـ في بلدة العيينة وتعلم على يد أبيه في بلدة العيينة مسقط رأسه -رحمه الله-، وهي قرية معلومة في اليمامة في نجد شمال غرب مدينة الرياض بينها وبين الرياض مسيرة سبعين كيلو مترًا تقريبًا، وتعلم القرآن وحفظه عن ظهر قلب قبل بلوغه عشر سنين، وكان حاد الفهم سريع الحفظ كثير المطالعة في كتب التفسير، واجتهد في الدراسة والتفقه على يد أبيه الشيخ عبد الوهاب بن سليمان -وكان فقيهًا كبيرًا وعالمًا قديرًا وقاضيًا في بلدة العيينة- وقرأ عليه في الفقه.

ثم بعد بلوغ الحلم حج وقصد بيت الله الحرام وأخذ عن بعض علماء الحرم الشريف، ثم توجه إلى المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام فاجتمع بعلمائها وأقام فيها مدة، ورحل الشيخ لطلب العلم إلى العراق فقصد البصرة واجتمع بعلمائها وأخذ عنهم ما شاء الله من العلم، وأظهر هناك الدعوة إلى توحيد الله ودعا الناس إلى السنة، ولم يتمكن من الرحلة إلى الشام وعاد إلى نجد يدعوهم إلى التوحيد.

ولقد ابتلي الشيخ -رحمه الله- فصبر على البلاء وقد ثار عليه بعض علماء السوء بالبصرة، فخرج من البصرة إلى الزبير، وتوجه من الزبير إلى الأحساء واجتمع بعلمائها وذاكرهم في أشياء من أصول الدين ثم توجه إلى بلاد حريملاء واستقر هناك ولم يزل مشتغلاً بالعلم والتعليم والدعوة في حريملاء حتى مات والده في عام 1153هـ، فحصل من بعض أهل حريملاء شر عليه، وأرادوا أن يصدوه عن أمر الدعوة إلى الله.

وبعد ذلك ارتحل الشيخ إلى العيينة وأميرها إذ ذاك عثمان بن محمد بن معمر فنزل عليه ورحب به الأمير، وقال له: "قم بالدعوة إلى الله ونحن معك وناصروك"، وأظهر له الخير والمحبة والموافقة على ما هو عليه، فاشتغل الشيخ بالتعليم والإرشاد والدعوة إلى الله -عز وجل-، وتوجيه الناس إلى الخير والمحبة في الله رجالهم ونسائهم، واشتهر أمره في العيينة وعظم صيته وجاء إليها الناس من القرى المجاورة.

وفي يوم من الأيام قال الشيخ للأمير عثمان: دعنا نهدم قبة زيد بن الخطاب -رضي الله عنه- فإنها أسست على غير هدى -وزيد بن الخطاب -رضي الله عنه- هو أخو عمر بن الخطاب أمير المؤمنين رضي الله -تعالى- عن الجميع، وأن الله -جل وعلا- لا يرضى بهذا العمل، والرسول -صلى الله عليه وسلم- نهى عن البناء على القبور واتخاذ المساجد عليها، وهذه القبة فتنت الناس وغيرت العقائد وحصل بها الشرك فيجب هدمها، فقال الأمير عثمان: لا مانع من ذلك، فقال الشيخ: إني أخشى أن يثور لها أهل الجبيلة -والجبيلة قرية هناك قريبة من القبر-، فخرج عثمان ومعه جيش يبلغون 600 مقاتل لهدم القبة ومعهم الشيخ -رحمة الله عليه- فلما قربوا من القبة خرج أهل الجبيلة لما سمعوا بذلك لينصروها ويحموها، فلما رأوا الأمير عثمان ومن معه كفوا ورجعوا عن ذلك فباشر الشيخ هدمها لإزالتها فأزالها الله -عز وجل- على يديه -رحمة الله عليه-.

كان أهل نجد قبل دعوة الشيخ على حالة لا يرضاها مؤمن، وكان الشرك الأكبر قد نشأ في نجد وانتشر حتى عُبدت القباب وعبدت الأشجار، واشتهر في نجد السحرة والكهنة وسؤالهم وتصديقهم وليس هناك منكر إلا من شاء الله! وغلب على الناس الإقبال على الدنيا وشهواتها، وقل القائم لله والناصر لدينه، وهكذا في الحرمين الشريفين وفي اليمن اشتهر في ذلك الشرك وبناء القباب على القبور ودعاء الأولياء والاستغاثة بهم!

فلما رأى الشيخ الإمام هذا الشرك وظهوره في الناس وعدم وجود منكر لذلك وقائم بالدعوة إلى الله في ذلك شمر عن ساعد الجد وصبر على الدعوة وعرف أنه لابد من جهاد وصبر وتحمل للأذى، فجد في التعليم والتوجيه والإرشاد وهو في العيينة، وفي مكاتبة العلماء في ذلك والمذاكرة معهم رجاء أن يقوموا معه في نصرة دين الله والمجاهدة في هذا الشرك وهذه الخرافات، فأجاب دعوته كثيرون من علماء نجد وعلماء الحرمين وعلماء اليمن وغيرهم وكتبوا إليه بالموافقة، وخالف آخرون وعابوا ما دعا إليه وذموه ونفروا عنه.

الصفحة التالية