سيرة الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب
زين العابدين كامل • السيرة والتاريخ
المقصود أن الشيخ -رحمه الله- استمر على الدعوة قولاً وعملاً كما تقدم، ثم إن الشيخ أتته امرأة واعترفت عنده بالزنا عدة مرات وسأل عن عقلها فقيل: إنها عاقلة ولا بأس بها، فلما صممت على الاعتراف ولم ترجع عن اعترافها، ولم تدع إكراهًا ولا شبهة وكانت محصنة، أمر الشيخ -رحمة الله عليه- بأن ترجم فرجمت بأمره حالة كونه قاضيًا بالعيينة، فاشتهر أمره بعد ذلك بهدم القبة وبرجم المرأة وبالدعوة العظيمة إلى الله وهجرة المهاجرين إلى العيينة.
وبلغ أمير الأحساء وتوابعها من القبائل أمر الشيخ وأنه يدعو إلى الله وأنه يهدم القباب، وأنه يقيم الحدود فعظم على هذا البدوي أمر الشيخ، فكتب إلى عثمان يتوعده ويأمره أن يقتل هذا المطوع الذي عنده في العيينة، فعظم على عثمان أمر هذا الأمير وخاف إن عصاه أن يقطع عنه خراجه أو يحاربه، فقال للشيخ: إن هذا الأمير كتب إلينا كذا وكذا، وأنه لا يحسن منا أن نقتلك وإنا نخاف هذا الأمير ولا نستطيع محاربته فإذا رأيت أن تخرج عنا فعلت.
فقال له الشيخ: إن الذي أدعو إليه هو دين الله وتحقيق كلمة لا إله إلا الله، وتحقيق شهادة أن محمدًا رسول الله، فمن تمسك بهذا الدين ونصره وصدق في ذلك نصره الله وأيده وولاه على بلاد أعدائه، فإن صبرت واستقمت وقبلت هذا الخبر فأبشر فسينصرك الله ويحميك من هذا البدوي وغيره، وسوف يوليك الله بلاده وعشيرته.
فقال: أيها الشيخ إنا لا نستطيع محاربته ولا صبر لنا على مخالفته، فخرج الشيخ عند ذلك وتحول من العيينة إلى بلاد الدرعية، وقد خرج من العيينة في أول النهار ماشيًا على الأقدام، ترك الوطن والمال والأهل والزوجة والمسكن وما بقي لديه سوى الإيمان القوي بصحة عقيدة السلف الصالح وحسن الظن بالله.
لقد سار من العيينة إلى الدرعية يمشي راجلاً ليس معه أحد في غاية الحر في فصل الصيف لا يلتفت عن طريقه، ويلهج بقوله -تعالى-: ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا . وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ) (الطلاق:2-3) ، ويلهج بالتسبيح، فدخل على شخص من خيارها في أعلى البلد يقال له: محمد بن سويلم العريني فنزل عليه، ويقال: إن هذا الرجل خاف من نزوله عليه وضاقت به الأرض بما رحبت، وخاف من أمير الدرعية محمد بن سعود فطمأنه الشيخ وقال له: أبشر بخير، وهذا الذي أدعو الناس إليه دين الله وسوف يظهره الله.
وهناك بدأ التزاور بين خصائص أهل العلم من الدرعية، ولما علموا بثبات دعوة الشيخ وأنها على سبيل الرسول -صلى الله عليه وسلم- أرادوا أن يشيروا على ابن سعود بنصرته فهابوه، فأتوا إلى زوجته "موضي بنت أبي وهطان" من آل كثير وأخيه ثنيان، وكانت المرأة ذات عقل ودين ومعرفة فأخبروها بمكان الشيخ وصفة ما يأمر به وينهى عنه فوقر في قلوبهما معرفة التوحيد وقذف الله في قلوبهما محبة الشيخ، ولما دخل محمد بن سعود على زوجته أخبرته بمكان الشيخ وقالت له: هذا الرجل ساقه الله إليك وهو غنيمة فاغتنم ما خصك الله به، فقبل قولها ثم دخل على أخوه ثنيان وأخوه مشاري وأشاروا عليه مساعدته ونصرته، فأراد أن يرسل إليه فقالوا: سر إليه برجلك في مكانه وأظهر تعظيمه والاحتفال به؛ لعل الناس أن يكرموه ويعظموه.
فذهب محمد بن سعود إلى مكان الشيخ ورحب به وأبدى غاية الإكرام والتبجيل وأخبره أنه يمنعه بما يمنع به نساءه وأولاده... وقال: أبشر ببلاد خير من بلادك وأبشر بالعزة والمنعة، فقال الشيخ: وأنا أبشرك بالعزة والتمكين، وهذه كلمة لا إله إلا الله من تمسك بها وعمل بها ونصرها؛ ملك بها البلاد والعباد، وهي كلمة التوحيد وأول ما دعت إليه الرسل من أولهم إلى آخرهم، وأنت ترى نجدًا وأقطارها أطبقت على الشرك والجهل والفرقة وقتال بعضهم بعض؛ فأرجو أن تكون إمامًا يجتمع عليه المسلمون وذريتك من بعدك، وهكذا تم اللقاء التاريخي وحصلت البيعة المباركة على ذلك، وأخذ الشيخ -رحمه الله- بالدعوة والجهاد في سبيل إعلاء كلمة "لا إله إلا الله"، بدأ الجهاد بالسيف وبالكلام والبيان، والحجة والبرهان.
ثم استمرت الدعوة مع الجهاد بالسيف حتى التزم الناس بالطاعة ودخلوا في دين الله، وهدموا ما عندهم من القباب وأزالوا ما لديهم من المساجد المبنية على القبور وحكموا الشريعة، ودانوا بها وتركوا ما كانوا عليه من تحكيم سوالف الآباء والأجداد وقوانينهم، ورجعوا إلى الحق وفتحوا نجد والطائف ومكة وهدموا قبر خديجة ثم فتحوا المدينة وساد الأمن في الأمصار والقرى والطرق والبوادي ووقف البادية عند حدهم ودخلوا في دين الله وقبلوا الحق، ونشر الشيخ فيهم الدعوة، وأرسل إليهم المرشدين والدعاة في الصحراء والبوادي كما أرسل المعلمين والمرشدين والقضاة إلى البلدان والقرى، ثم بعد وفاة الشيخ -رحمة الله عليه- استمر أبناؤه وأحفاده وتلاميذه وأنصاره في الدعوة والجهاد.
ثم منذ ولي "محمد علي باشا" جعلت تركيا تدعوه إلى تجريد جيوشه لقتال الوهابيين وتتابع هذا الطلب من سنة "1222 - 1225هـ" فلم يستجب لنداء تركيا، ولكن الاستشراق بقناصله زين أخيرًا لـ"محمد علي باشا" أن يستجيب ليحقق مأربه في وأد "اليقظة" التي كادت تعم جزيرة العرب وأمدوه بالسلاح الذي يعينه على خوض الحرب وذلك في سنة 1226هـ/1811م -أي بعد ولايته على مصر بست سنوات-، وقد كلف السلطان العثماني محمود الثاني محمد علي باشا والي مصر بمهاجمة الدولة وخنقها؛ فشن حربًا لا هوادة فيها ضد الدعوة وجهز الحملة تلو الحملة للقضاء عليها، وأجلب عليها بالرعاع والجنود المرتزقة من الأرناؤوط والجركس والأرمن والترك والبدو الجفاة الذين حشدهم من كل فجٍ عميق.