شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

أجوبة عن أسئلة إخوانية

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد لعب النظام السابق دورًا كبيرًا في القطيعة بين معظم التيارات المختلفة في مصر على طريقة "فرِّق تسد"، وذلك برفع التكلفة الأمنية لأي حوار أو تقارب، والذي كان عادة ما يُواجه بعقاب أمني مبالغ فيه، وكنتُ وما زلتُ أذكر كيف أن آخر عهد لي بأمن الدولة كان عقوبة على مقالتين إحداهما كانت بعنوان: "نصائح بعد الانتخابات: لا تحزن، لا تشمت، لا تتوقف" أواسي بها الإخوان على إهدار جهودهم الانتخابية عن طريق التزوير الفاضح، وأما الأخرى فكانت بعنوان: "عنف الإسلاميين الذي كان وعنف غيرهم المستمر" -وبالمناسبة هذا العنوان يحتاج إلى أن يكتب تحته عشرات المقالات الآن-.

وكان قد سبق هذين المقالين آخر بعنوان: "حدوتة الجماعة... هل مِن جديد؟!" وهو: -كما يتضح من عنوانه- رد على "مسلسل الجماعة" الذي أرخ فيه كاتبه لتاريخ الأستاذ "حسن البنا" -من الزاوية التي يراها طبعًا- ومعرجًا على تاريخ جماعة الإخوان المسلمين ابتداءً من عصر المؤسس وانتهاء بواقعة عُرفت حينها بواقعة "ميليشيات الأزهر"، والتي يحار العقل في تفسير موقف البعض الذي انزعج حينها غاية الانزعاج من هذا العرض في حين يرى أن ظاهرة "البلاك بلوك" ظاهرة طبيعية جدًّا رغم عدوانيتها ودمويتها وتعطيلها لمصالح الناس، وإرهابها للمواطنين الذين يزعمون الدفاع عن حقوقهم في المترو وفي غيره من المرافق وهي أمور خلت منها جميعًا واقعة طلبة الإخوان في الأزهر!

لقد انزعج الأمن حينها من مقالات محدودة الانتشار أخاطب بها الإخوة السلفيين في الأعم الأغلب من خلال موقع سلفي؛ لأنه وجد فيها تطبيقًا لمَ كنا نردده حينها من حسن إدارة الخلاف بين الجماعات الإسلامية؛ لأننا يصعب بل يستحيل أن نصل إلى إجماع في كل القضايا، فلم يبقَ إلا مراعاة أدب الخلاف وفقهه، وللشيخ "ياسر برهامي" بحث في ذلك بعنوان: "فقه الخلاف"، ويتوفر على الإنترنت شرح صوتي لهذا البحث للشيخ نفسه وآخر لي.

الحاصل -حتى لا نستهلك وقتًا طويلاً في تلك النقطة-: أنه كان هناك خلاف بين جميع الفصائل حتى الإسلامية منها دون أن تتاح الفرصة الكافية -لا سيما في أوساط الشباب- للتعرف على حقيقة هذا الخلاف وجذوره، وجاءت ثورة "خمسة وعشرين يناير" لكي تصفُّ المصريين جميعًا خلف هدف واحد مشترك هو إسقاط النظام، ومِن ثَمَّ تلاشت الخلافات بين الجميع حتى بين الإسلاميين وغير الإسلاميين.

وبعد سقوط النظام كان لابد لكل طرف أن يدافع عن رايته، وأن يحشد الجهود في اتجاه بناء مصر بالطريقة التي يراها أفضل، والأمر هنا يخرج عن إطار الجدل النظري أو على الأقل الجدل الذي ينتهي إلى أن يتبنى كل فصيل إصلاحي أو حزب سياسي رؤيته الخاصة، بل الأمر هنا يتعلق برؤية عامة ينبغي أن تطبق في المجتمع.

ورغم وجود آلية متفق عليها نظريًّا بين الجميع عند الاختلاف وهي اللجوء إلى الصندوق إلا أن التيار العالماني حاول الانقلاب مبكرًا على هذه الآلية عبر طرحه لوثائق فوق دستورية تتبنى رؤيته الخاصة بشكل الدولة وموضع الدين منها؛ مما أوجد حالة من الاستقطاب بين المعسكر الإسلامي والمعسكر العالماني "أو المدني كما يحب أن يسمى نفسه".

وفي ظل هذا الاستقطاب تلاشت أيضًا الفروق بين الاتجاهات الإسلامية وتوحدت أكثر، وتمت عدة فاعليات مشتركة من أهمها المليونيات الحاشدة: "29-7-2011م"، و"1-12-2012م"، كما حدث احتشاد خلف الرئيس "محمد مرسي" في انتخابات الإعادة وفي الاستفتاء الدستوري في 19 مارس 2011م، وكذلك في الاستفتاء على دستور 2012م.

وبين هذا لم يحدث حالة خلاف تذكر داخل الحركة الإسلامية إلا الانقسام بشأن المرشح الرئاسي في الجولة الأولى حيث كان للإخوان مرشحهم في حين فضلت "الدعوة السلفية" و"الجماعة الإسلامية" دعم مرشح "إخواني سابق" من باب أن عدم الانتماء التنظيمي قد يعطيه فرصة قبول أفضل لدى التيار المدني، وهي الحالة التي شهدت خروجًا عن النص من بعض الرموز الذين تجاوزوا الرد الموضوعي حول وجهة نظرهم في الخلاف إلى الطعن والتجريح "وبأثر رجعي" في أناس كانوا معهم كتفًا بكتف قبلها بأيام قليلة إلا أن هذه الحالة سرعان ما زالت بتمخض الانتخابات عن الإعادة بين الدكتور "مرسي" والفريق "شفيق"؛ مما وحد الإسلاميين خلف الدكتور "مرسي"، وعاد الخارجون عن النص إلى سابق عهدهم وأثنوا على إخوانهم "وبأثر رجعي أيضًا".

ثم جاءت محاولات إسقاط شرعية الرئيس "مرسي" وهي المحاولات التي استنفرت الإسلاميين ليخرجوا في أكبر مليونية ليس في عمر الثورة فحسب، بل في الخمس عشرة سنة الأخيرة في العالم كله وفق تقديرات الـ "سي . إن . إن".

وانتهت تلك المرحلة بإقرار الدستور والذي كان شعار الإخوان في الترويج له بـ"الدستور العجلة تدور"، وبطبيعة الحال وجدت بعض القوى نفسها خارج حسابات الحكم في مرحلة ما بعد الثورة؛ مما دفعهم إلى محاولة استنساخ ثورة جديدة "سلمية هي الأخرى"، ولكنها "سلمية" من باب تسمية الخمر "مشروبات روحية" وغيرها من الحيل اللفظية، "سلمية" تذكرنا بحروب اليهود التي خاضوها تحت مسمى: تحقيق السلام!

- "سلمية" لا بأس فيها ببعض المولوتوف، وكثير من التحرش تزداد حدته أحيانًا فينقلب اغتصابًا!

- هي "سلمية" نعم... ولكنها تهدد الموظفين العموميين إذا ما قاموا بأعمالهم بالويل والثبور وعظائم الأمور... !

المهم أنه جرى ويجري محاولات دءوبة لإعادة إنتاج تلك الثورة، وهنا حدث خلاف في التعامل مع هذه المعضلة:

- هل يوجد في أداء الحكومة خلل استغله البعض أم أنه لا يوجد أدنى خلل؟

- وهل إذا وجد خلل مستثمَر: هل الواجب إزالة الخلل قطعًا للألسنة أم يكفي القول بأن الخصم يغالي في تقدير الخطأ لأغراض سياسية؟

- هل يمكن لمن في الحكم أن يبدي بعض المرونة في المواقف وليست في المبادئ؟

الصفحة التالية