إلى متهمي الدكتور "خالد علم الدين": هاتوا البينة أو "توبوا واعتذروا"
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فلتوضيح موقفنا من قضية الدكتور "خالد علم الدين" نحتاج إلى تذكُّر بعض الأحكام الشرعية التي يعرفها القاصي والداني "لا سيما أبناء التيار الإسلامي"، ولكن مع وجود المخالفات الصارخة لتلك القواعد فلابد من التذكير بها انطلاقًا من قوله -تعالى-: ( وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ) (الذاريات:55) .
ما الواجب علينا شرعًا عند وجود اتهام موجه من طرف إلى آخر؟
أولاً: ننصح كل طرف بالواجب عليه:
أ?- الواجب على المُدَّعِي ألا يلجأ إلى إعلان التهمة إلا بغرض النصيحة، وأن يكون قد استفرغ وسعه في الإصلاح، وأن يكون على يقين مما يدَّعيه بعيدًا عن الظنون.
ب?- الواجب على المُدَّعَى عليه أن يقر بما عليه من حقوق سواء كانت حقوقًا خاصة للمدّعِي أو عامة.
ثانيًا: فإذا أنكر المُدًّعَى عليه فالقاعدة الشرعية معروفة، وهي:
أ?- في حالة الحقوق الخاصة فالقاعدة: "الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ"، أي يُطالـَب المدعِي بالبينة، فإن عجز لزم المدعَى عليه اليمين.
ب?- في المنكرات العامة لا بد للمدعِي من بينة ولا يلزم المدعَى عليه شيء كما قال -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ) (الحجرات:6) .
ويؤخذ من الآية الآتي:
أ?- أن المدعِي إما أن يأتي بالبينة وإما أن يكون فاسقًا.
ب?- أن المدعَى عليه إما أن تثبت عليه البينة وإما أن يكون بريئًا، ولو زاد بحلف اليمين يكون قد بالغ في تبرئة نفسه.
ت?- أن الناقل لهذا الخبر إن نقله لمجرد الدعوى دون بينة فهو من الجاهلين بنص الآية، وهو من الكاذبين؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ ) (رواه مسلم في مقدمة صحيحه) .
ويتأكد هذا في حق الكبير أو المقدم والعالم كما قال الإمام مالك: "اعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ يَسْلَمُ رَجُلٌ حَدَّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ، وَلا يَكُونُ إِمَامًا أَبَدًا وَهُوَ يُحَدِّثُ بِكُلِّ مَا سَمِعَ"، ومن هذا الأثر يُعلم أنه يجب على العالم والحاكم في ذلك أكثر مما يجب على غيرهم.
ولقد اهتم النبي -صلى الله عليه وسلم- بتطبيق هذه القواعد حتى على نفسه مع أن عصمته -صلى الله عليه وسلم- تقتضي عدم حاجته إلى ذلك، وذلك نراه في حديث خزيمة بن ثابت -رضي الله عنه-: أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ابْتَاعَ فَرَسًا مِنْ أَعْرَابِيٍّ، فَاسْتَتْبَعَهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِيَقْضِيَهُ ثَمَنَ فَرَسِهِ، فَأَسْرَعَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْمَشْيَ وَأَبْطَأَ الأَعْرَابِيُّ، فَطَفِقَ رِجَالٌ يَعْتَرِضُونَ الأَعْرَابِيَّ فَيُسَاوِمُونَ بِالْفَرَسِ لا يَشْعُرُونَ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ابْتَاعَهُ، حَتَّى زَادَ بَعْضُهُمُ الأَعْرَابِيَّ فِي السَّوْمِ عَلَى ثَمَنِ الْفَرَسِ الَّذِي ابْتَاعَهُ بِهِ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَنَادَى الأَعْرَابِيُّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ مُبْتَاعَا هَذَا الْفَرَسَ فَابْتَعْهُ، وَإِلا بِعْتُهُ! فَقَامَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حِينَ سَمِعَ نِدَاءَ الأَعْرَابِيِّ، فَقَالَ: ( أَوَلَيْسَ قَدْ ابْتَعْتُهُ مِنْكَ؟ !)، قَالَ الأَعْرَابِيُّ: لا وَاللَّهِ مَا بِعْتُكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( بَلَى قَدْ ابْتَعْتُهُ مِنْكَ ).
فَطَفِقَ النَّاسُ يَلُوذُونَ بِالنَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَالأَعْرَابِيِّ وَهُمَا يَتَرَاجَعَانِ، فَطَفِقَ الأَعْرَابِيُّ يَقُولُ: هَلُمَّ شَهِيدًا يَشْهَدُ أَنِّي بَايَعْتُكَ، فَمَنْ جَاءَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَالَ لِلأَعْرَابِيِّ: وَيْلَكَ إِنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَمْ يَكُنْ لِيَقُولَ إِلا حَقًّا، حَتَّى جَاءَ خُزَيْمَةُ لِمُرَاجَعَةِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَمُرَاجَعَةِ الأَعْرَابِيِّ، فَطَفِقَ الأَعْرَابِيُّ يَقُولُ: هَلُمَّ شَهِيدًا يَشْهَدُ أَنِّي بَايَعْتُكَ، قَالَ خُزَيْمَةُ: أَنَا أَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَايَعْتَهُ، فَأَقْبَلَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى خُزَيْمَةَ فَقَالَ: ( بِمَ تَشْهَدُ؟ ) فَقَالَ: بِتَصْدِيقِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- شَهَادَةَ خُزَيْمَةَ شَهَادَةَ رَجُلَيْنِ. (رواه أحمد والنسائي، وصححه الألباني) .
إن التشدد في هذا الأمر فيما يخص العالم والحاكم راجع إلى أن العالم يُلبِس نقده ونقله للأخبار ثوب الفتوى فيتضرر المفترى عليه غاية التضرر، والحاكم يملك من أنواع العقوبات ولو من باب التعزير.
ولقد رأينا في زماننا أن الناس يلتمسون العذر لـ"بعض المنتسبين إلى العلم" في أن يخرجوا على الناس فتتطاير منهم الكلمات واللكمات، ومع كل تهمة يقول: "ولديَّ في ذلك بينات!"، وما درى أنه ما زاد بهذه الكلمة على أن ردد الدعوى، وأنه لا يوجد أحد فوق هذه القاعدة بحيث يكتفي بأن يدَّعي على الناس ثم يدعي ادعاءً بأنه يملك البينة؛ لا سيما مَن عُرف من طريقته أنه يعد البينة أحيانًا هي "يمين المدعِي" في مجلس خاص معه! وهو أمر بعيد غاية البعد عن شرع الله -عز وجل-.
ومن ذلك: ما يزعمه بعضهم من أن الحاكم بوسعه أن يصدق الظنون وأن يكيل الاتهامات؛ مستدلين على ذلك بعزل عمر -رضي الله عنه- ولاته بالشبهات، وهم لا يفرقون بيْن حق الحاكم في اختيار ولاته "وهو تخيير مصلحة، لا تخيير إباحة محضة ومِن ثَمَّ فللحسبة على الحاكم في ذلك الأمر مدخل"، وبيْن تعبده بعدم جواز اتهام الناس حتى ولو بالشبهة.