الدعوة بين "المجتمع الخاص - المجتمع العام - الدولة"
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فالإسلام دين شامل كامل، قال الله -تعالى-: ( قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ) (الأنعام:162-163) .
وقد جاء بتشريعات لإصلاح الفرد في جميع الجوانب، كما جمع الله -عز وجل- ذلك في قوله: ( وَالْعَصْرِ . إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ . إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ) (العصر) .
كما جاء لإخراج تلك الأمة الخيرية التي وصفها الله -عز وجل- بقوله: ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَو آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ) (آل عمران:110) .
ووجود هذه الأمة إنما يتحقق في وجود أفراد تحقق فيهم صفات الشخصية المسلمة، ويكوِّنون فيما بينهم مجتمعًا مسلمًا صغيرًا يتسع تدريجيًّا لكي يكون مجتمعًا كبيرًا.
ولذلك أمر الله -تعالى- موسى -عليه السلام- أن يجعل بيوت أتباعه قريبة متقابلة؛ لتكون نواة لمجتمع فاضل في ظل ذلك الجو الفرعوني الطاغوتي، فقال -تعالى-: ( وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ) (يونس:87) .
ومن هذا المنطلق كانت دار الأرقم بن أبي الأرقم هي بقعة النور في ظلام الجاهلية الحالك، وفي دار الأرقم بن أبي الأرقم تربى الرعيل الأول من الصحابة -رضي الله عنهم-، وبواسطتهم هدى الله من جاء بعدهم حتى اكتمل العدد الكافي لقيام مجتمع مسلم أكثر رحابة إلا أن عدد المعاندين من سكان مكة كان ما زال كبيرًا مما يعني أن أية محاولة لإقامة المجتمع المسلم الكبير لن تأتي إلا بالمواجهة التي تنافي طبيعة الدعوة والتي قال الله -عز وجل- في شأنها: ( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُو أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُو أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) (النحل :125) .
ومن هنا جاءت الهجرة لتحقيق نقلة نوعية في طبيعة المجتمع المسلم من ذلك المجتمع الخاص إلى المجتمع العام، وتزامنًا مع قيام المجتمع العام في المدنية قامت الدولة، وبين الدولة والمجتمع فروق لغوية ومعنوية.
إن لفظ المجتمع المسلم يشمل في مدلولاته اللغوية معنى الاجتماع والحب والمودة والتواصل والتراحم والأخوة الإيمانية في حين يحمل لفظ الدولة في معناه اللغوي "المباشر" معنى التقلب والتغير، ويحمل في دلالته معنى القوة الزاجرة، ويحمل عند كثير من السياسيين معنى الغدر والمكر ونسبية الأخلاق وتجنب العواطف، والعلاقة بين إقامة المجتمع وإقامة الدولة في الإسلام علاقة بين الغاية والوسيلة.
إن الدولة هي تعبير عن أحد جوانب اكتمال المجتمع بوجود سلطة فيه، والمجتمع المسلم مجتمع محكوم بمبادئ وغايات يجب على الدولة أن تسعى إلى إيجادها، ويمكننا أن نقول: إن الله قد أمر طرفي الدولة "الحاكم والمحكوم" بالتعاون من أجل جعل تلك الدولة محققة لأهداف وغايات المجتمع المسلم، فقال -تعالى- آمرًا الحكام أن يوظفوا أكفأ الناس في أجهزة الدولة مع العناية بالعدالة بصورها المختلفة في قوله -تعالى-: ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ) (النساء:58) .
وبعدها أمر الله -تعالى- المحكومين أن يطيعوا الحكام الذين هذا هو حالهم، فقال -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ) (النساء:59) .
ومن هنا يتضح تكامل لبنات بناء المجتمع المسلم: "فرد مسلم - مجتمع مسلم صغير - مجتمع مسلم كبير - دولة".
لقد سارت هذه المراحل في سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- بطريقة سلسة ومنطقية قادت كل واحدة منها إلى الأخرى، ثم حدث ما أخبر به النبي -صلى الله عليه وسلم- في قوله: ( لَتُنْقَضَنَّ عُرَى الإِسْلامِ عُرْوَةً عُرْوَةً، فَكُلَّمَا انْتَقَضَتْ عُرْوَةٌ تَشَبَّثَ النَّاسُ بِالَّتِي تَلِيهَا، وَأَوَّلُهُنَّ نَقْضًا الْحُكْمُ وَآخِرُهُنَّ الصَّلاةُ ) (رواه أحمد وابن حبان، وصححه الألباني) .