شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الدعوة بين "المجتمع الخاص - المجتمع العام - الدولة"

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

ومرت الأمة بأطوار من الخير والشر جاء ذكرها في حديث حذيفة -رضي الله عنه- قال: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنِ الخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ، فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الخَيْرِ، فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: ( نَعَمْ ) قُلْتُ: وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ؟ قَالَ: ( نَعَمْ، وَفِيهِ دَخَنٌ ) قُلْتُ: وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ: ( قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي، تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ ) قُلْتُ: فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: ( نَعَمْ، دُعَاةٌ إِلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ، مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا ) قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا؟ فَقَالَ: ( هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا، وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا ) قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟ قَالَ: تَلْزَمُ جَمَاعَةَ المُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ، قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلاَ إِمَامٌ؟ قَالَ: ( فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الفِرَقَ كُلَّهَا، وَلَو أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ، حَتَّى يُدْرِكَكَ المَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ ) (رواه مسلم) .

وكانت الأمة تواجِّه فترات الضعف والانكسار بمزيد من التربية الخاصة واللجوء مرة أخرى إلى محاضن صغيرة للتربية.

هذه التجربة قامت عليها دولة الـ"زنكي" التي استطاعت أن تطرد الصليبيين من مصر والشام، وقامت بها مدرسة شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- والتي استطاعت أن تضمد جراح دولة المماليك في مصر والشام لطرد ما تبقى من الصليبيين، ولصد آخر جولات التتار على بلاد المسلمين.

إلا أن التجربة في هذه المرة كانت شديدة الخطر حيث إن المجتمع الكبير كان في ذلك الوقت مجتمعًا إسلاميًّا وليس مجتمعا كافرًا كما كان الحال على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ومِن ثَمَّ فكان لابد للبرامج التربوية التي تتبناها تلك الحركات التجديدية الإصلاحية في مجتمعاتها الصغيرة أن تراعي هذا الفارق.

لقد كانت هذه الجزئية في غاية الوضوح لدى شيخ الإسلام ابن تيمية فبالرغم من محاربته لجميع البدع بجميع أصنافها إلا أنه غرس في أتباعه تلك العبارة التي نقشها في قلوبهم وسطرها فيما تركه لنا من تراث أن أهل السنة والجماعة "يعرفون الحق ويرحمون الخلق"، وقد كتب -رحمه الله- رسالة لطيفة بعنوان: "قاعدة أهل السنة والجماعة في رحمة أهل البدع والمعاصي ومشاركتهم في صلاة الجماعة".

ولقد كان سلوكه العملي -رحمه الله- انعكاسًا لهذه الفكرة فقد قاد العامة في حربهم ضد التتار، وذهب إلى قائد التتار ليكلمه في جميع الأسرى سلفيهم وصوفيهم "لم يكن هناك إخوان آنذاك وإلا لطالب بالطبع بفك أسرهم" فدفع إليه ملك التتار جميع أسارى المسلمين دون أسارى أهل الذمة، فما كان منه -رحمه الله- إلا أنه أبى إلا أن يدفع إليه أسارى أهل الذمة "لاحظ أنه لم يكن الحاكم، ولكنها مسئولية المربي الذي يدرك أن تربيته لأتباعه غايتها إصلاح ذلك المجتمع الكبير والقيام بجميع حقوقه لا الاستعلاء عليهم ولا تعييرهم بأنهم فروا بينما ثبت هو وتلامذته".

وبلغ إدراك شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- لمعنى المجتمع الكبير ومصلحة الأمة وتقديمها على مصلحة "جماعة الدعوة والتربية" أن بعض شيوخ الصوفية والمقلدة قد سعوا إلى السلطان ناصر بن قلاوون للوشاية بابن تيمية، ولكنه كان شديد التعظيم له ولما انقلب بيبرس عليه عاودوا وشايتهم؛ مما أدى إلى سجن شيخ الإسلام ابن تيمية إلا أن ابن قلاوون تمكن من العودة وأراد أن يعاقب هؤلاء العلماء بالقتل على وقوفهم بجوار ببيرس، وظن أن خير من يفتيه بذلك هو شيخ الإسلام ابن تيمية، ولكن شيخ الإسلام خيب ظنه.

فماذا كان رد ابن تيمية... ؟

هل وجدها فرصة للتنفيس عن أحقاده وخصوماته؟

كلا... فنفس الكريم أرفع وأطهر من ذلك، لقد قام ابن تيمية بتعظيم هؤلاء العلماء والقضاة، وأنكر أن يُنال أحد منهم بسوء، وأخذ يمدحهم ويثني عليهم أمام السلطان وشفع لهم بالعفو والصفح عنهم ومنعه من قتلهم، فقال للسلطان: "إذا قتلت هؤلاء لا تجد بعدهم مثلهم من العلماء الأفاضل!".

فيرد عليه السلطان متعجبًا متحيرًا: لكنهم آذوك وأرادوا قتلك مرارًا؟!

فقال ابن تيمية: من آذاني فهو في حل، ومن آذى الله ورسوله فالله ينتقم منه، وأنا لا أنتصر لنفسي!

وما زال ابن تيمية بالسلطان يقنعه أن يعفو عنهم ويصفح، حتى استجاب له السلطان فأصدر عفوه عنهم وخلى سبيلهم!

إننا لا نروى تاريخ هؤلاء القمم للتندر بحالهم أو حتى للتحسر على حالنا، وإنما ينبغي أن نعي جيدًا تلك الدروس.

إن حركات الإصلاح لا يمكن لها أن تعيش وأن تؤتي ثمارها إلا إذا كانت محاضنها التربوية لا تمثل حاجزًا، ولكن ماذا عن الحركات الإسلامية المعاصرة؟

بلا شك إن الحركات الإسلامية المعاصرة كانت في حاجة إلى التحرك في محاضنها التربوية الخاصة لإعداد كوادرها لمواجهة الكثير من صور التغريب والانحراف إلا أن الملاحظ أنه كلما كانت هذه المحاضن أقرب إلى العمومية ساهمت في وجود روح متصالحة مع المجتمع العام، ومِن ثَمَّ حرصت الدعوة السلفية -بفضل الله- على جعل المسجد هو محضنها التربوي الأصلي دون غيره من الصور التي اعتمدتها حركات أخرى.

وفي المقابل: فإن هناك تيارات اكتسبت حالة عدائية شديدة تجاه المجتمع وانزوت في مجتمعات صغيرة سرعان ما اعتبرتها أنها هي جماعة المسلمين كما حدث في جماعة التكفير والهجرة.

وثمة جماعات أخرى لم تصرح بكفر المجتمع وإنما نظرت إليه نظرة دونية وطبقت مفهوم استعلاء الإيمان الذي دعا إليه بعض المفكرين إلى استعلائهم هم على العصاة "أو إن شئت قل على من سواهم"؛ مما أورث هؤلاء سلوكًا تكفيريًّا وإن كانوا يتفاوتون في طريقة تنظيرهم لهذا السلوك.

الصفحة السابقة الصفحة التالية