مناقشات في الدعوة والسياسة
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فنتناول في هذا المقال رؤوس أقلام لموضوعات كثيرة تتعلق بالعمل الدعوي والعمل السياسي، أذكرها ها هنا مجموعة مختصرة على أنني قد بسطت بعضها في مقالات سابقة، وأسأل الله أن يعنيني على تناول باقيها بشيء من البسط لاحقًا -إن شاء الله-.
1- جماعة "الدعوة - المجتمع - الدولة":
النظرة التي نتبناها للعلاقة بين هذه الأمور الثلاث هي أن تعتبر أن دائرة المجتمع هي دائرة كبيرة تضم في داخلها عددًا من الدوائر الصغيرة تمثل الرؤى والاتجاهات والمحاضن التربوية الصغيرة "الجماعات"، وأن الدولة ما هي إلا قبعة على رأس هذا المجتمع.
وأنها يجب أن تكون دولة عادلة راعية لكل من هو داخل الدائرة الكبرى بغض النظر عن الدائرة الصغرى التي خرج منها أفراد تلك الدولة؟
وفي المقابل: فإن هناك تيارات اكتسبت حالة عدائية شديدة تجاه المجتمع، وانزوت في مجتمعات صغيرة سرعان ما اعتبرتها أنها هي جماعة المسلمين كما حدث في جماعة التكفير والهجرة.
وثمة جماعات أخرى لم تصرِّح بكفر المجتمع، وإنما نظرت إليه نظرة دونية وطبَّقت مفهوم استعلاء الإيمان -الذي دعا إليه بعض المفكرين- إلى استعلائهم هم على العصاة "أو إن شئتَ قل على مَن سواهم"؛ مما أورث هؤلاء سلوكًا تكفيريًّا وإن كانوا يتفاوتون في طريقة تنظيرهم لهذا السلوك.
وثمة اتجاهات أخرى تعاملت مع المجتمع الكبير، ولكن لم تتعامل معه من نفس الباب الذي وصفناه، وإنما أوتوا من قِبَل استغراقهم في مفهوم أن الإسلام دين ودولة أكثر من استغراقهم في صورة المجتمع المسلم الكبير، ومِن ثَمَّ تجد أن هؤلاء تتركز أنظارهم في دائرتين: "دائرة الجماعة، ودائرة الدولة" بينما لا يمثِّل المجتمع الكبير في عرفهم إلا طريقًا واصلاً بين الدائرتين.
2- جماعة الدعوة "المنهج - الحركة - القيادة":
أهم العناصر التي ينبغي دراستها في أي جماعة هي:
أولاً: "المنهج" وبالأخص:
أ?- منهج الاستدلال والتلقي.
ب?- المنهج العقدي.
ت?- المنهج التربوي.
"في حالة الدعوة السلفية نلخصها بقولنا: توحيد - اتباع - تزكية".
ثانيًا: الحركة ويدخل فيها:
أ?- مناهج التغيير.
ب?- طبيعة التنظيم.
ت?- وسائل الدعوة.
ث?- بالأخص الموقف من العمل السياسي.
ثالثًا: القيادات التاريخية والمعاصرة:
بالنسبة للدعوة السلفية لدينا محطات تاريخية: "القرون الثلاثة الفاضلة ككل - الإمام أحمد بن حنبل شيخ الإسلام بن تيمية - شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب - الشيخ محمد رشيد رضا والشيخ محب الدين الخطيب". والقيادات الحالية: "مجلس أمناء الدعوة السلفية".
والمشكلة أن هناك اتجاهاتٍ تختزل كل تراثها في مرجعية المؤسس وتراثه؛ مما يوجد مساحة من الالتباس والتعصب وصعوبة التحاور، وتحتاج هذه التيارات إلى أن تعيد تقديم مشروعها مجردًا عن شخصيات القائد والمؤسس مهما بلغت مكانته في نفوس أتباعه أو في نفوس الأمة ككل.
3- مجالات الإصلاح: "الفرد - المجتمع - الدولة":
العلاقة بين هذه الثلاث أشبه بمصنع من ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: تأخذ مادة خامًا وتعطي منتجًا أوليًّا "تربية الفرد يدخلها إنسان فتعطي إنسانًا صالحًا".
المرحلة الثانية: تأخذ المنتج الأولى وتعطي منتجًا ثانويًّا "التعاون على البر والتقوى يُنتِج من مجموعة أفراد مجتمعًا صالحًا".
المرحلة الثالثة: تأخذ منتج الثانية وتعطي منتجًا نهائيًّا "العمل السياسي يعكس صلاح المجتمع على الدولة".
ومعنى ذلك تكامل وتزامن هذه المراحل، وأن الاهتمام بالمرحلة الثالثة على حساب المرحلتين الأوليتين يوصل المصنع "الحركة الإسلامية" إلى الشلل التام.
وإذا أصاب مرحلة ما عطب بحيث كانت تفسد بدلاً من أن تضيف إليه ما يدخل إليها؛ فالواجب إيقافه "المنع من العمل السياسي متى تعارض مع الثوابت".
فإذا تم إصلاح لهذا العطب فلا بأس بالاهتمام الزائد "مؤقتا" بالمرحلة الثالثة "العمل السياسي" -كحالتنا بعد ثورة "25 يناير-.
ولكن يجب الحذر من تحول هذا الاستثناء إلى أصل "بعد ثورة 25 يناير استعددنا لمرحلة انتقالية لمدة ستة أشهر طالت لسنتين مما يستلزم العودة فورًا إلى التوازن المطلوب".
4- حدود إصلاح الدولة المعاصر:
النظام السياسي المطبق في كل دول العالم الآن هو ما يعرف بالدولة الدستورية القانونية الحديثة، وهو نظام يلتقي مع النظام الإسلامي في أمور ويفارقه في أمور "أخطرها: فصل الدين عن الدولة".
ومعظم النظم السياسية في العالم الإسلامي لم تأخذ من تلك الدولة الحديثة إلا فصلها للدين عن الدولة بدرجات متفاوتة من دولة إلى أخرى، بينما مارست أشد أنواع الديكتاتورية باسم الديمقراطية!
وكافحت الحركة الإسلامية المعاصرة من أجل تحسين وضع الدول الإسلامية المعاصرة في اتجاهين:
الأول: محاربة العالمانية.
الثاني: محاربة الديكتاتورية.
وكان القدْر المتاح في محاربة العالمانية وفق النظام الدستوري هو إلزام السلطات التي تحددت وفق هذا النظام سواء التشريعية أو التنفيذية "والقضائية بالتبع لهما" بعدم مخالفة الشريعة فيما يصدر عنهما من قوانين وقرارات فيما عُرف بنظام الدولة الدستورية القانونية الحديثة ذات المرجعية الإسلامية، وهذا النموذج من النظم السياسية ليس مطابقًا لنظام الإمامة الذي تكوَّن عبر تاريخ الأمة، ولكنه في ذات الوقت غير مصادم للقطعيات الشرعية وإن بقيت فيه مخالفات يمكن التغلب عليها.
5- الرئيس الإسلامي:
ما هو التكييف الشرعي للرئيس الإسلامي؟
الصحيح أن أدق وصف هو أنه "رئيس إسلامي!"؛ لأن وصف الإمامة قد يُفهم منه أنه تَولى بـ"عقد الإمامة" المذكور في كتب الفقه.
والحاصل أنه تولى بـ"عقد أخص": "مِن جهة الشروط المتوافرة فيه - ومن جهة الحدود المكانية (الولاية) - ومن جهة الحدود الزمانية (المدة) - ومن جهة الصلاحيات".
ومِن ثَمَّ فإن كلمة "رئيس" كلمة واضحة محددة تحيل إلى الدستور الذي يمثِّل العقد الذي بناء عليه تَولى "الرئيس"، والذي يحكم المسلم في تعامله مع كل أحد قوله -تعالى-: ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ) (المائدة:2) .