مناقشات في الدعوة والسياسة
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
ومن وجبتْ له على المسلم طاعة من والد أو زوج أو حاكم سواء جاء بعقد الإمامة أو بعقد الرئاسة فهو مقيد بصلاحيات ذلك الأمر، ومقيد بطاعة الله -عز وجل- كما قال -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ) (النساء:59) .
وإضافة وصف "الإسلامي" تعني الاتفاق معه على الأصول العامة للمشروع، ومِن ثَمَّ ففيها تحفيز أكبر للنفوس على معاونته ومناصحته.
6- هل تجوز مناصحة الرئيس الإسلامي علنـًا؟
لقد كان بعض من المنتسبين للدعوة قبل الثورة يدافعون عن الحاكم الظالم بإنزال نصوص في غير موضعها، مثل قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَإِنِ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ ) (رواه البخاري) ، وكانت معظم فصائل الصحوة تواجههم بالنصوص التي تتضمن الإنكار على أفاضل الحكام كعمر -رضي الله عنه-؛ لكي تُبيِّن لهم أن عليهم أن يفهموا ما تمسكوا به من نصوص على ضوء غيرها من النصوص الأخرى، وبناءً على هدي السلف في تطبيقها.
والآن بعد أن أصبح لدينا رئيس إسلامي نسي البعض تلك الأدلة! وترسب في عقله الباطن أننا كنا نواجه بها الحاكم العالماني الجائر، وهذا صحيح، ولكن هذا لا يعني إطلاقًا أن نخصها به!
إن محاولة بسط الحماية للرئيس الإسلامي سواء من النصيحة مطلقـًا أو حتى تقييدها بالنصيحة في السر في الأمور العامة المعلنة التي تعلق حق لعموم الأمة فيها -وليس الحاكم وحده- هو:
أولاً: مخالف للنصوص الشرعية.
ثانيًا: مخالف لما وعدنا به الناس، وقد شنفنا أسماعهم بأن الصورة المثلى للحاكم عندنا هو من يُنصح علنًا؛ فيُسر بذلك ويقول: "أصابت امرأة، واخطأ عمر".
ثالثًا: من الناحية السياسية تتعرض التجربة الإسلامية بأسرها للخطر؛ حيث يفقد الناس الثقة بالخطاب الإسلامي، والأخطر من ذلك: أن يترسب لديهم أن الإسلاميين يوظفون ثقة الناس بهم ليختاروا لهم من بين أنفسهم رئيسًا ثم إذا وصل إلى الكرسي أحاطوه بسياج من التقديس! أو -على الأقل- لا ينصحون له فيما يتعلق بمصالح الناس.
فيا قومنا... انصحوا الرئيس سرًّا وجهرًا، واعلموا أن النصيحة في الأمور العامة هي حق للناس عليكم وهي حق للرئيس عليكم، كما أن الاستماع إليها واجب عليه، وإذ نصحتموه نصيحة فقال: "أصبتم وأخطأتُ"؛ ففي هذا رفعة له، وإن جاء في أخرى فأجاب بما يروي الغليل رفعتم بذلك الحرج عنه وعن الناس أجمعين، وقطعتم الطريق على المشككين والمغرضين.
7- بيعة الجماعات في ظل رئيس إسلامي:
هل يجوز عند مَن يرى مشروعية العمل الجماعي أخذ البيعة عليه كفرع على ذلك؟
الجواب: إن ذلك يجوز متى كانت البيعة هي مجرد "تغليظ" للتعاهد الذي بين أفراد تلك الجماعة على احترام نظامهم الخاص -فيما لا يخالف الشرع قطعًا-، وأما إذا اُعتبرت بديلاً عن بيعة الإمام أو أُعطيت أحكامها فغير جائزة؛ لما في ذلك من مفاسد قد يترتب عليها سلوك من أفراد الجماعات التي ترى ذلك تجاه سائر المجتمع يكون فيه نوع من غمط حق الناس أو ازدرائهم أو غير ذلك من المفاسد... ونظرًا لاشتباه الصورتين ظاهرًا تحاشت "الدعوة السلفية" قضية البيعة برمتها.
ولكن الآن بعد وجود رئيس إسلامي ما أثر ذلك على مشروعية العمل الجماعي؟ وعلى البيعة؟
الجواب: إن من كانت المشروعية عنده نابعة من أن العمل الجماعي هو نوع من التعاون على البر والتقوى يجوز في وجود الإمام ويتأكد عند غيابه أو تقصيره؛ فلا يؤثر وجود الرئيس الإسلامي على مشروعية هذا الأمر، وأما من بنى الأمر على أن بيعته بديلة عن بيعة الإمام فيحتاج إلى إعادة نظر فيها.
ومن هذه الأمثلة: قول الأستاذ "عبد الله ناصح علوان" في كتابه "بين العمل الفردي والعمل الجماعي": "روى مسلم عنه -عليه الصلاة والسلام-: ( مَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً )، هذا الحديث يوجِّه كل مسلم إلى أن يبايع إمامًا للمسلمين يحكمهم ويقوم على شئونهم، وعند غيابه فعلى المسلم أن يبايع الأمير الذي اتفق على بيعته كثير من المسلمين في العالم الإسلامي؛ لكونه ينوب منابه ويقوم مقامه... وتظل هذه البيعة قائمة إلى أن ينصب حاكم عام للمسلمين ويكون إمامًا عليهم عند قيام دولتهم الراشدة ووحدتهم الشاملة.
ومما يوجِّه إليه الحديث أيضًا أن الذي يموت ولم يبايع ( مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً ) أي: يموت وقد خلع من عنقه ربقة الإسلام، فالحكم الشرعي الذي نستنتجه أن التزام الجماعة أمر واجب، وإذا لم يلتزم المسلم بها فإنه يبوء بالإثم ويتخبط في ظلمات الجاهلية".
فمثل هذه البيعات في حاجة إلى نقض وإعادة تأسيس على مطلق التعاون على البر والتقوى.
8- هل الغاية في الشرع تبرر الوسيلة؟!
مِن أشنع الأخطاء التي يقع فيها البعض والتي يترتب عليها الكثير من المآسي في مسيرة العمل الإسلامي اعتماد قاعدة أن: "الغاية تبرر الوسيلة!".
ويتم التوصل إلى هذه النتيجة عبر مقدمتين كلاهما خاطئة:
الأولى: توهُّم صاحب هذه القاعدة أنه في حالة حرب!
الثانية: سوء تفسير قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( الحَرْبُ خَدْعَةٌ ) (متفق عليه) .
وينبني على هاتين المقدمتين أن يعيش صاحبها في حالة خداع دائم مع نفسه ومع الغير!
والواقع أن المقدمة الأولى تحتاج من صاحبها إلى أن يعرف أن: حتى الكفار منهم المعاهد والمستأمن والذمي ولا يطبق على أي منهم قواعد الحرب، بل تطبق قواعد السلم والموادعة؛ فكيف بمن يتصور لوجود مناوأة لدعوته أن حياته كلها حرب؟!
وأما المقدمة الثانية: فالواقع أن هذا الحديث لابد وأن يُفهم في ضوء النصوص الأخرى، وقد نبَّه شراح الحديث على ذلك .