مناقشات في الدعوة والسياسة
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
ومنهم الحافظ ابن حجر -رحمه الله- حيث قال في (الفتح): "قَالَ النَّوَوِيُّ: وَاتَّفَقُوا عَلَى جَوَاز خِدَاع الْكُفَّار فِي الْحَرْب كَيْفَمَا أَمْكَنَ, إِلا أَنْ يَكُون فِيهِ نَقْضُ عَهْد أَو أَمَانٍ فَلا يَجُوز. قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ: الْخِدَاع فِي الْحَرْب يَقَع بِالتَّعْرِيضِ وَبِالْكَمِينِ وَنَحْو ذَلِكَ".
وبهذا النقل -وبمراجعة ما تحته خط- يتبين: أن هذا الحديث ليس بالإطلاق الذي يفهمه بعضهم، وأن حتى الحرب في الإسلام تحكمها أخلاق عظيمة! ومِن عجب أن كثيرًا ممن يستدل بهذا الحديث في غير موضعه هو ممن يكثر من ذكر وفاء المسلمين بعهودهم حتى في الحرب! ولعلنا نعود إلى هذا الأمر بشيء من البسط لاحقًا -إن شاء الله-.
9- حتى لا نقع في البهتان... !
ما الواجب علينا شرعًا عند وجود اتهام موجه من طرف إلى آخر؟
أولاً: ننصح كل طرف بالواجب عليه:
أ?- الواجب على المُدَّعِي ألا يلجأ إلى إعلان التهمة إلا بغرض النصيحة، وأن يكون قد استفرغ وسعه في الإصلاح، وأن يكون على يقين مما يدَّعيه بعيدًا عن الظنون.
ب?- الواجب على المُدَّعَى عليه أن يقر بما عليه من حقوق سواء كانت حقوقًا خاصة للمدّعِي أو عامة.
ثانيًا: فإذا أنكر المُدًّعَى عليه... فالقاعدة الشرعية معروفة، وهي:
أ?- في حالة الحقوق الخاصة فالقاعدة: "الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ"، أي يُطالـَب المدعِي بالبينة، فإن عجز لزم المدعَى عليه اليمين.
ب?- في المنكرات العامة لابد للمدعِي من بينة ولا يلزم المدعَى عليه شيء كما قال -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ) (الحجرات:6) .
ويؤخذ من الآية الآتي:
أ?- أن المدعِي إما أن يأتي بالبينة وإما أن يكون فاسقًا.
ب?- أن المدعَى عليه إما أن تثبت عليه البينة وإما أن يكون بريئًا، ولو زاد بحلف اليمين يكون قد بالغ في تبرئة نفسه.
ت?- أن الناقل لهذا الخبر إنْ نقله لمجرد الدعوى دون بينة فهو من الجاهلين بنص الآية، وهو من الكاذبين؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ ) (رواه مسلم في مقدمة صحيحه) .
ويتأكد هذا في حق الكبير أو المقدَّم والعالم كما قال الإمام مالك -رحمه الله-: "اعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ يَسْلَمُ رَجُلٌ حَدَّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ، وَلا يَكُونُ إِمَامًا أَبَدًا وَهُو يُحَدِّثُ بِكُلِّ مَا سَمِعَ"، ومِن هذا الأثر يُعلم أنه يجب على العالم والحاكم في ذلك أكثر مما يجب على غيرهم.
10- حزب أيديولوجي بأداء توافقي:
يستغرب الكثيرون عندما يجدون "حزب النور" يقدم حلولاً توافقية في ذات الوقت الذي يتمسك فيه بثوابته، وسبب دهشة هؤلاء أنهم لا يعرفون إلا الأنماط التي أوجدتها الحياة السياسية الغربية.
وفي الواقع: إن الإسلام الذي يأمر بالتمسك بالعقيدة هو في ذات الوقت الذي يأمر بمراعاة المصالح والمفاسد، والتماس الوسائل المؤدية لهذا ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً.
ولعل واقعة بناء الكعبة وما اقترحه النبي -صلى الله عليه وسلم- لحل النزاع بين القبائل وقد كان ذلك قبل البعثة وتأكد بعدها في عدد من المواقف من أبرز ما يدل على ذلك، حتى قال -صلى الله عليه وسلم- في صلح الحديبية: ( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لاَ يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ إِلا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا ) (رواه البخاري) ، ثم "أبدى مرونة في التفاوض معهم ما زالت مضرب المثل في فن التفاوض!"، بل يبلغ الأمر أن يؤجل تطبيق ما يمكن أن يؤدي إلى فتنة "مع بيانه وتوضيحه"، كما في تأجيله -صلى الله عليه وسلم- لإعادة بناء الكعبة.
وقريب من هذا المعنى: التفريق بين المداهنة المحرمة المنهي عنها في قوله -تعالى-: ( وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً ) (الإسراء:74) ، وفي قوله -عز وجل-: ( وَدُّوا لَوتُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ) (القلم:9) ، وبين المداراة التي استعملها النبي -صلى الله عليه وسلم- مع من وصفه بأنه بئس أخو العشيرة.
والفرق بيْن الأمرين:
أن المداهنة المحرمة هي: أن تتنازل عن شيء من "الدين" بلا "إكراه معتبر ولا مفسدة متحققة" من أجل مصلحة غالبًا ما تكون في "الدنيا".
وأما المداراة المباحة -والتي قد تجب بحسب الأحوال- فهي: أن تتنازل عن شيء من "الدنيا" من أجل مصلحة من "الدين" أو"الدنيا".
وإذا كان مسلك مَن يتمسك في جميع مواقفه مرفوضًا، ومسلك مَن يلين في جميع مواقفه مرفوضًا؛ فإن مما يجب أن يُرفض "بدرجة أشد" أن يبدي "البعض" مرونة حيث يجب إبداء الصلابة، ويبدي الصلابة حيث يسع الكثير من المرونة!