شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

النجاة والائتلاف في العدل والإنصاف

محمود عبد الحفيظ البرتاوي • مع الدعاة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن العدل والإنصاف دليل على كمال الإيمان وصحة الإسلام، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَيُدْخَلَ الْجَنَّةَ فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ ) (رواه مسلم) ، فمن "أسباب النجاة بعد الإيمان بالله واليوم الآخر الإنصاف والعدل في معاملة الخلق، وأن يفعل المرء مع الناس ما يحب أن يفعله الناس معه، فلا يقدِّم نفسه عليهم ولا يفعل معهم ما لو فعلوه معه للامهم على ذلك أعظم اللوم" (شرح كتاب الإمارة من صحيح مسلم لـ د.ياسر برهامي) .

وبالعدل والإنصاف ينال العبد محبة الله -تعالى-، قال الله -عز وجل-: ( وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) (الحجرات:9) ، وبهما تُنال الدرجات والمقامات الرفيعة، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ -عَزَّ وَجَلَّ- وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا ) (رواه مسلم) .

والإنصاف عامل أساسي في استقرار المجتمع؛ فبه تعود الحقوق إلى أصحابها ويحصل الأمن والطمأنينة، وتسود روح العدالة وتشيع المحبة بين الناس، ويكون النصح والتنافس الشريف، وأما إذا لم يقع ذلك الإنصاف -خصوصًا من الشيوخ والكبراء وذوي الوجاهات- حل محل ذلك الحقد والكراهية والحسد -ممن لم يتربَ ويتأدب بأدب الشرع ويعتد الصبر والاحتساب- وسادت في المجتمع روح الأنانية، ووجدت المكائد والمؤامرات التي يلجأ إليها في العادة المقهورون والحاقدون.

لذلك أمر الله بالعدل والإنصاف مع جميع الناس حتى مع المخالفين لنا في الدين فقال: ( لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) (الممتحنة:8) ، وقال: ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ... ) (النساء:135) ، وقال: ( وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) (الأنعام:152) ، بل بعد أن أمرنا الله -تعالى- بلزوم القسط والقيام به عمومًا في قوله: ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ... ) نهانا -عز وجل- أن يحملنا بغض قوم على عدم العدل والإنصاف معهم فقال عقب ذلك: ( وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلا تَعْدِلُوا ) ثم كرر -عز وجل- الأمر بالعدل تأكيدًا عليه فقال: ( اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ) (المائدة:8) .

وإذا كانت الآية الكريمة فيها هذا التنبيه العظيم على وجوب العدل والقسط حتى مع من نبغضهم من الكافرين والمجرمين؛ فكيف بضرورة ذلك مع أهل الإسلام والإخوة في الدين؟!

إن أهل العلم والدعاة إلى الله أولى الخلق بالمعاملة بالعدل والإنصاف وجمع الناس عليهم وتوقيرهم وتعظيمهم وإعانتهم على نشر العلم والحق والتمكين لدين الله وشريعته.

وإلا فلمصلحة مَن أن ينشغل بعض الشيوخ والاتجاهات الإسلامية بالطعن في رموز وعلماء قضوا حياتهم في نصرة دين الله والذب عنه؟!

ولمصلحة مَن يُصرف طلبة العلم والنشء بهذه الطعون والمناوشات عن الإقبال على خدمة دينهم؟!

ولمصلحة مَن يُشغل عوام المسلمين بتلك الحروب المستعرة التي لا يفهمون لمَ تدور وما سببها والتي يزين فيها شياطين الإنس والجن لهم أن الإسلاميين كلهم سواء وأنهم يأكل بعضهم بعضًا ويتصارعون على منصب أو جاه؟!

ولمصلحة مَن يُخطب على المنابر وتقطع الأوقات وتعمر المساجد بمحاضرات لا بذكر الله بل بالغيبة والكذب والطعن في أهل العلم والدين؟!

أليس المسلمون أحوج ما يكونون الآن إلى من يبصرهم بعقيدتهم التي تتوجه إليها سهام الليبراليين والعلمانيين من الطعن في الله وتشريعاته وأحكامه؟!

أليس المسلمون الآن أحوج ما يكونون إلى من يعلمهم ما يلزمهم من دين الله -تعالى- من توحيد وعبادة ومعاملة وتزكية للنفس؟

أليس أولى بهؤلاء الطاعنين -بل متحتم عليهم- أن يوفـِّروا تلك الجهود المهدرة في غير نفع ولا خير ويصرفوا تلك الأوقات لنفع إخوانهم من أهل الإسلام ودعوة الناس وتعريفهم بنور الشريعة وما بعث به النبي -صلى الله عليه وسلم- من الخير والرحمة والهدى؟!

وللأسف الشديد فإن "الدعوة السلفية" وذراعها السياسي "حزب النور" -الذي أسسه شيوخ هذه الدعوة وأبناؤها- قد وقع عليهما ظلم كبير من كثير من إخوانهم على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم بلا بينة أو دليل أو حتى شبهة دليل! بما صار معه بصورة واضحة جلية أن بعض هؤلاء -على الأقل إن لم نقل كلهم- يريد هدم هذه الدعوة وإسقاطها فيعلنونها حربًا لا هوادة فيها على رموزها، خصوصا د."ياسر برهامي" الذي يدَّعون أنه يؤصل للعصبية والحزبية المقيتة له وإسقاط الآخرين، وأنه يربي تلامذته على ذلك!

وأشاعوا كلمة نسبوها لم نرَ أحدًا قط تتلمذ على الشيخ يرددها ولو مرة واحدة، وكذلك غيري لم يرَ ذلك بل الشيخ نفسه لا يعلم قائلاً بها! وهي قولهم أو زعمهم: "من لم يدرس المنة فليس منا!".

وإن كل من استمع للشيخ -حفظه الله- علم أنه أبعد الناس عن العصبية له، بل هو من الرموز القليلة التي لا تفتأ تذكر وتشيد بجهود غيرها من الشيوخ والدعاة، فهو من أكثر الناس ثناءً على غيره من الشيوخ الأفاضل سواء في دروسه أو في فتاواه، فكثيرًا ما كان يسأل عن الشيخ "أبي إسحاق"، والشيخ "محمد حسين يعقوب"، والشيخ "محمد حسان"، والشيخ "محمود المصري"، وغيرهم، ومنهم الشيخ "فوزي السعيد"، والشيخ "محمد عبد المقصود"، فيشيد الشيخ بجهودهم وفضلهم!

وللشيخ فتوى على موقع "صوت السلف" بعنوان:

الصفحة التالية