النجاة والائتلاف في العدل والإنصاف
محمود عبد الحفيظ البرتاوي • مع الدعاة
مسائل التكفير عند الشيخ "فوزي السعيد"
السؤال:
نحن نسمع للشيخ "فوزي السعيد" من زمن بعيد، ثم سمعنا مؤخرًا بأن هناك كلامًا حول مسائل التكفير عند الشيخ. فهل هذا حق؟
الجواب:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،
"أنا أنصح بمراجعة فتاوى الشيخ في التكفير على أهل العلم، هذا مع ما للشيخ -حفظه الله- من جهد في الدعوة وتاريخ طويل فيها، ويكفي أنه التزم على يديه المئات، بل الألوف من الملتزمين بالقاهرة وغيرها... " (انتهى) .
فأين الحزبية والعصبية وإسقاط الآخرين؟!
لقد ظـُلِم الشيخ "ياسر" كثيرًا من هؤلاء الشيوخ -بشهادة شيوخ جماعة الدعوة السلفية كالشيخ "أحمد فريد" -حفظه الله- وغيره وأن الحملة تستهدف جميع مشايخ الدعوة إلا أن البداية عند هؤلاء لابد أن تكون بالشيخ ياسر أولاً-، وكذلك ظلِم تلامذته الذين رُموا بالجمود والعصبية للشيخ والتقليد له، والتبعية المطلقة لما يقوله الشيخ ويرجحه؛ رغم أن الشيخ من أكثر الشيوخ -إن لم يكن أكثرهم بالفعل- إشارة إلى مواطن الخلاف فيما يدرسه وأن في المسألة اجتهادًا، وعلى هذا ربَّى تلامذته.
لم يربهم الشيخ "ياسر" على الحزبية المذمومة والجمود والتقليد، فإن تلامذة الشيخ لا يتقيدون باختياراته بصورة لازمة، بل إن رأوا الدليل في غير ما يرجحه الشيخ أخذوا به حتى في أخص صنوف العلم التي تميز فيها الشيخ وكثرت فيها شروحاته ومحاضراته، فنجد كثيرًا من تلامذة الشيخ "على سبيل المثال" يتبعون قول مَن يرجح من أهل العلم نبوة الخضر -عليه السلام- وهي من مسائل الخلاف السائغ في الأمور الاعتقادية والعلمية، ومعروف أن الشيخ يرى التوقف في نبوة "الخضر" فلا ننفي ولا نثبت مع الجزم بأنه لم يفعل ما فعل من تلقاء نفسه، بل بأمر الله.
وفي مسائل الفقه ما أكثر ما يقع ذلك "فعلى سبيل المثال أيضًا" في منطقتي كل مساجد الإخوة السلفيين "التي أعرفها" المتتلمذين على يد الشيخ يخالفون مذهب الشيخ في آخر وقت يجزئ فيه إخراج زكاة الفطر، فيختارون ويدرسون في مساجدهم أن آخر وقت لإخراجها هو صلاة العيد ويحرم تأخيرها إلى بعد صلاة العيد، فإن أخرجها بعد الصلاة لم تقع زكاة مقبولة، وإنما صدقة، في حين يرى الشيخ أن آخر وقت زكاة الفطر الذي يحرُم تأخيرها عنه هو غروب شمس يوم عيد الفطر "وهو مذهب جمهور العلماء".
وكذلك في مسألة إدراك الركعة يرى الشيخ أن الركعة لا تدرك إلا بقراءة الفاتحة، في حين أن كثيرًا من تلامذته يختارون أن الركعة تدرك بالركوع، وفي ترجيح الشيخ لعدم وجوب الترتيب في الوضوء "وعليه جمهور العلماء"، وغير ذلك كثير...
ومن عجب أنهم لا يقنعون بإنكار الشيخ علنًا ومرارًا وتكرارًا لتلك العصبية على التسليم بوجودها!
فسبحان الله! ما المطلوب من الشيخ أكثر من ذلك "مع العلم أن الواقع يشهد أن تلامذة الشيخ ياسر -بفضل الله- من آدب الناس ومن أحسنهم خلقًا"؟!
ولا أجد للدعوة السلفية وهؤلاء مثلاً إلا ما جاء عن عبد الله بن محمد الوراق قال: "كنتُ في مجلس أحمد بن حنبل -رحمه الله- فقال: من أين أقبلتم؟ قلت: من مجلس أبي كُريب، فقال: اكتبوا عنه، فإنه شيخ صالح، فقلنا: إنه يطعن فيك، قال: فأيُّ شيء حيلتي، شيخ صالح قد بُلي بي" (سير أعلام النبلاء) . نعم، لقد بلي هذا البعض وفتن بالدعوة السلفية وآثارها المباركة، وما جعل الله لها من قبول عند القاصي والداني!
إن حرمة المسلم عند الله عظيمة، والعدل والإنصاف يقتضيان التثبت قبل رمي مسلم بسوء واتهامه به؛ فكيف إن كان عالمًا جليلاً وشيخًا مرموقًا يُراد للناس أن تُصد عنه؟!
قال الله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا... ) (النساء:94) ، وقال الحسن البصري -رحمه الله- : " المؤمن وقّاف حتى يتبين ".
فلابد من التحقق والتثبت قبل رمي الناس بالتهم، لا أن يجازف الإنسان ويأخذ غيره بالظنون والشبهات؛ فضلاً أن يلجأ البعض إلى تشويه صورة مَن يختلف معهم بالزور والكذب، ويشيع عنهم استغلالهم لمناصبهم وسوء فعالهم لصرف الناس عنهم، فيهون عليه إهدار كرامة إخوانه وسمعتهم، ولئن وقع هذا بالدعاوى المرسلة والظنون والشبه فهو قبيح بصاحبه؛ فكيف إذا كان بالباطل والزور؟!
قال الله -تعالى- عن سليمان -عليه السلام- في قصته مع الهدهد: ( سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ) (النمل:27) .
قال الشوكاني -رحمه الله- في فتح القدير: "قوله: ( أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ) أبلغ من قوله أم كذبت؛ لأن المعنى: مِن الذين اتصفوا بالكذب وصار خلقًا لهم، والنظر هو التأمل والتصفح، وفيه إرشاد إلى البحث عن الأخبار والكشف عن الحقائق وعدم قبول خبر المخبرين تقليدًا لهم واعتمادًا عليهم إذا تمكن من ذلك بوجه من الوجوه" (انتهى) .
والعدل والإنصاف يقتضي أن يتكلم المرء بما يعرف من براءة إخوانه وإنكار المنكر، ونصح مَن يرميهم بالكذب والزور بغير بينة عنده فيما يزعمه ويدعيه، لا الركون إلى المعتدين والسكوت على الغيبة وما لا يرضاه الله من الجهر بالسوء من القول بلا عذر أو دليل، ولئن وقع إقرار المنكر والسكوت عنه من أهل الجهل -المعروف عندهم نكارته- فإنهم لا يعذرون بسكوتهم وعدم إقرارهم؛ فكيف بمن ينسب إلى علم ودين ودعوة إلى الله -عز وجل- ثم لا يجد غضاضة أن يقول إنه دعا هؤلاء الخائضين في أعراض العلماء والأفاضل أن يتكلموا باسمهم لا باسم الهيئة -الموقرة!- التي ينتسبون إليها؟!
قال كعب بن مالك -رضي الله عنه- في قصة تخلفه عن غزوة تبوك: وَلَمْ يَذْكُرْنِي رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَتَّى بَلَغَ تَبُوكَ فَقَالَ وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْقَوْمِ بِتَبُوكَ: ( مَا فَعَلَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ؟ ) قَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ: يَا رَسُولَ اللهِ حَبَسَهُ بُرْدَاهُ وَالنَّظَرُ فِي عِطْفَيْهِ، فَقَالَ لَهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: بِئْسَ مَا قُلْتَ، وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ إِلا خَيْرًا" (متفق عليه) .