شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

النجاة والائتلاف في العدل والإنصاف

محمود عبد الحفيظ البرتاوي • مع الدعاة

وقال عباد بن عباد: "أراد شعبة أن يقع في خالد الحذاء -أحد الأئمة الحفاظ الأعلام- فأتيتُه أنا وحماد بن زيد، فقلنا له: مالك؟! أجُنِنْتَ؟! وتهددناه فسكت" (سير أعلام النبلاء) .

بل قد رد النبي -صلى الله عليه وسلم- على من عاب ناقته القصواء وعرف لها فضلها لما قال بعض أصحابه: خلأت القصواء، فقال: ( مَا خَلأَتْ الْقَصْوَاءُ، وَمَا ذَاكَ لَهَا بِخُلُقٍ، وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ ) (رواه البخاري) .

فكيف بأهل العلم الذي يعلمون الناس ويدعونهم إلى الهدى؟!

كيف لا يُنكر على مَن يريد صرف الناس عن العلماء وحماة الدين الحقيقيين في وقت يرى القاصي والداني ما يقع من سقطات وتنازلات ممن انتخبهم الناس لأجل تطبيق الشريعة والتمكين لها؟! فتارة يخرج مَن يأبى مرجعية "هيئة كبار العلماء" فيما يتعلق بالشريعة وبقرض ربوي مخالفًا للشرع وللدستور، وتارة يخرج على الناس مَن يدعو الضباط الملتحين إلى الانصراف عن المطالبة بحقهم في اتباع النبي والقيام بواجب إعفاء اللحية والانصراف لحفظ الأمن وكأن هناك معارضة بين الأمرين! وغير ذلك كثير عندهم فدومًا لديهم مزيد من التنازلات... !

إن المؤمن ينصح للدين ويعاون أهل الحق على الصدع به وعلى جهادهم في سبيله، ويفرح بمن ينشر دين الله في الأرض ويسانده؛ فليس المؤمن الذي يأكل قلبه الحسد، وليس المؤمن الذي يكون في قلبه الضغائن والأحقاد، وإنما هو مخلص لله -عز وجل -، قال الراهب للغلام كما في قصة أصحاب الأخدود: ( أَيْ بُنَيَّ أَنْتَ الْيَوْمَ أَفْضَلُ مِنِّي ) (رواه مسلم) .

والمؤمن يحفظ لأهل الفضل فضلهم، سمعت أم المؤمنين عائشة- رضي الله عنها- عروة بن الزبير يسب حسان بن ثابت -وكان حسان رضي الله عنه ممن خاض في حديث الإفك- فقالت- رضي الله عنها-: "يَا ابْنَ أُخْتِي دَعْهُ فَإِنَّهُ كَانَ يُنَافِحُ عَنْ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-" (متفق عليه) . وقال عروة: "كَانَتْ عَائِشَةُ تَكْرَهُ أَنْ يُسَبَّ عِنْدَهَا حَسَّانُ، وَتَقُولُ: إِنَّهُ الَّذِي قَالَ: فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِي ... لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ" (متفق عليه) . فسبحان الله!

وللأسف قد تورط البعض "بدافع العاطفة" في الأمر بالحض على ترك الفرقة ونبذ الخلاف وضرورة التصافي ولو على حساب ذوي الحقوق، ونسي أن الصلح الجائز لا يكون بإقرار المنكر والسكوت عليه، وأن الله لما أمر بالوحدة والائتلاف لم يأتِ هذا الأمر عاريًا عن بيان ما نجتمع عليه ونعتصم به فقال -عز وجل-: ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا ) (آل عمران:103) .

فهل مَن تمسك بحبل الله والبينات وقواعد القسط وإحقاق الحق وإنصاف المظلوم وإقامة الشرع يُقال له: أنتَ سبب الفرقة ويُتكلم معه عن ترك الخلاف، والتصافي؟! وهل ما يقوله ويفعله هؤلاء الشيوخ لا يفرق الصف ويحدث الشقاق؟!

وهل يكون الصلح على حساب الحق والعدل وإنصاف الأبرياء؟!

إن قائل هذا الكلام يسوي بين المختلفين -بل يكيل بمكيالين وأكثر- ولا يفرِّق بين المحق والمبطل والمحسن والمسيء؛ وهذا الظلم بعينه، وجهل هؤلاء أو تناسوا أن الفرقة والاختلاف إنما يُذم مَن تسبب فيها وأبى أن يرجع إلى الحق البيِّن الذي لا خفاء فيه، وأما من اعتصم بالكتاب والسنة ولم يخرج عنهما فلا لوم عليه عند أحد من أهل الدين، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ ) (رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وصححه الألباني) ، فتلك قاعدة أهل الإسلام التي نطق بها النبي -صلى الله عليه وسلم-.

وأخيرًا: إن العدل والإنصاف الذي أمرنا الله به هو سبيل النجاة والائتلاف والصفاء، وهو أنجح وأنجع سلاح لرد كيد المتربصين والمفسدين؛ فبه تتحقق التقوى، وبالتقوى يتحقق النصر، قال -تعالى-: ( وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) (الأعراف:128) ، وقال: ( وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ ) (الحج:40) .

فاللهم أرِنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه, وأرِنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، ولا تجعله ملتبسًا علينا فنضل.

وصلِّ اللهم على محمد وآله وصحبه وسلم.

الصفحة السابقة