إن الدين عند الله الإسلام
زين العابدين كامل • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد وقفتُ على كلام خطير لا أدري كيف تطاول أصحابه وتجاسروا على التفوه به مفاده التسوية بين الإسلام وغيره من الأديان! فقد عدَّ من يُلقب بـ"خطيب الثورة" أن من التطرف تكفير اليهود والنصارى! ومثله الدكتور "أحمد كريمة" الذي زعم أنه لا يوجد مسيحي كافر! ومن قبلهما "بلال فضل" الذي ذكر أن كل من اعتنق أي دين من الأديان فهو مؤمن وسيدخل الجنة وأن النصارى ليسوا بكفار؛ لأنهم يؤمنون بعيسى -عليه السلام-، بل قال -عياذًا بالله-: "أبله من قال: إن المسلمين فقط سيدخلون الجنة!"، إلى غير ذلك من الكلمات والعبارات التي تنم عن الحالة المتردية التي وصل إليها مجتمعنا إذ صار يُتاح لمن شاء أن يتكلم بما شاء حتى ولو كان يخالف صريح الكتاب والسنة وما أجمعت عليه الأمة -وحسبنا الله ونعم الوكيل-!
وهذا الكلام الذي يردده هؤلاء لا شك في فساده وبطلانه، وهو من القول على الله بغير علم، قال الله -تعالى-: ( قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ) (الأعراف:33) .
فيحرم على المتكلم أن يقول على الله بغير علم حتى ولو كان من أعلم العلماء؛ لأنه بمثابة من يوقِّع عن الله -عز وجل-.
وهذه المسألة التي تحدث فيها هؤلاء لا أدري من أين جاءوا بها فإن الأدلة القرآن والسنة مستفيضة متواترة في بيان بطلان ما يدعونه.
أولاً: قال الله -تعالى-: ( إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ) (آل عمران:19) ، وقال -تعالى-: ( وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) (آل عمران:85) ، فدلت الآيتان على أن الدين عند الله هو الإسلام فقط، وغيره مردود وباطل.
ثانيًا: قال الله -تعالى-: ( سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ) (الحديد:21) ، فقد دلت الآية على أن الجنة أعدت للمؤمنين الذين آمنوا بالله ورسله، أما اليهود والنصارى فهم لا يؤمنون بمحمد -صلى الله عليه وسلم-، ومن المعلوم أن مَن آمن بجميع الرسل ثم كذب بمحمد -عليه الصلاة والسلام- فقد كذب بالرسل جميعًا؛ لأن الله -تعالى- قال: ( كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ . إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ . إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ . فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ . وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ . فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ) (الشعراء:105-110) .
وهذا إخبار من الله -عز وجل- عن عبده ورسوله نوح -عليه السلام-، وهو أول رسول بعث إلى الأرض بعد ما عُبدت الأصنام والأنداد، بعثه الله ناهيًا عن ذلك ومحذرًا من وبيل عقابه، فكذبه قومه واستمروا على ما هم عليه من الفعال الخبيثة في عبادتهم لأصنامهم، وكان تكذيبهم له بمنزلة تكذيب جميع الرسل; ولهذا قال -تعالى-: ( كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ . إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ ) أي: ألا تخافون الله في عبادتكم غيره؟!
وقال عن قوم هود -عليه السلام-: ( كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ ) (الشعراء:123) ، مع أنهم لم يكذبوا إلا هودًا -عليه السلام-، ولكن الله قال: ( الْمُرْسَلِينَ )، فدل ذلك على أن من كفر برسول واحد فقد كفر بجميع الرسل، ومن أدرك محمدًا -صلى الله عليه وسلم- وكان يؤمن برسول آخر كموسى وعيسى -عليهما السلام- وجب عليه أن يؤمن بمحمد -عليه الصلاة والسلام-، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- أرسله الله إلى الناس جميعًا؛ الأسود والأبيض والأحمر، والعربي والعجمي، وهذا من شرفه وفضله فهو خاتم النبيين، قال الله -تعالى-: ( قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ) (الأعراف:158) ، وقال -تعالى-: ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) (سبأ:28) ، فلا يقبل الله من أحد صرفًا ولا عدلاً إلا بالإيمان بمحمد -عليه الصلاة والسلام- بعد أن بلغته رسالته.
وفى الصحيحين أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً )، بل الأنبياء أنفسهم لا يسعهم إلا أن يؤمنوا بمحمد -عليه الصلاة والسلام-، قال الله -تعالى-: ( وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ . فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ . أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ) (آل عمران:81-83) .