شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مناقشة قانون "الصكوك الإسلامية"

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد كثر الحديث في هذه الأيام عن مشروع قانون الصكوك الذي يقوم مجلس الشورى بمناقشته، وسوف نتناول هذا الموضوع من خلال المحاور الآتية:

أولاً: شرح إجمالي لفكرة الصكوك.

ثانيًا: عرض موجز لقصة قانون الصكوك في مصر.

ثالثًا: عرض مجمل لأبرز الاعتراضات التي ينتقدها "حزب النور" على المشروع المزمع إصداره من مجلس الشورى.

رابعًا: الموقف من عرض هذا القانون وغيره على هيئة كبار العلماء.

أولاً: شرح إجمالي لفكرة الصكوك:

بعيدًا عن التعريفات الأكاديمية التي يمكن أن تزيد الأمر غموضًا، فنقول: إن فكرة الصكوك تولدت من دراسة فقه البيوع والشركات في الشريعة الإسلامية، والتي من تأملها سوف يجد صورًا متعددة لكي يحصل الأشخاص على التمويل اللازم لمشاريعهم بطريقة لا يدخلها الربا ولا الميسر؛ ونتيجة صعوبة الحصول على ممول للمشاريع الكبرى فإن أصحاب المشاريع عادة ما يلجئون إلى البنوك والتي كانت غالبًا ما تعرض صورة واحدة من التمويل وهو "القرض الربوي".

ومع دخول البنوك الإسلامية في الحلبة بدأت تدرس صورًا من التمويل غير الربوي باللجوء إلى الفقه الإسلامي وما فيه من عقود السَّلَم والاستصناع والإجارة وغيرها من العقود...

ومن هنا جاءت الفكرة في أن يقوم أصحاب المشاريع بالبحث عن مجموعة ممولين لمشاريعهم عن طريق اشتراكهم في تكوين رأس المال بحيث تعلن الجهة المستفيدة عن المشروع وعن رأس ماله وعن صيغة التمويل، ثم تنشئ شركة غرضها تجزئة رأس المال على عدة حصص تُسمى كل حصة "صكًا" (تم العدول عن مصطلح "سهم" للتمييز بين الصكوك وبين الأسهم التي يجري التعامل عليها بقوانينها الخاصة)، وعند تمام تمويل جميع الصكوك يكون المشروع قد قام بين الجهة المستفيدة وبين حملة الصكوك مجتمعين باعتبارهم الطرف الممول في العقد.

وهذه المرونة في الحصول على الممولين للمشاريع أتاحت للحكومات الفرصة في الاستفادة من هذه الفكرة في تمويل إنشاء المشروعات عن طريق عقود الاستصناع كبديل عن نظام الـ" B.O.T "، كما أنها مكَّنت الحكومات من بيع بعض مواردها مقدمًا عن طريق عقود السلم لاستخدام العائد في مشاريع تنموية ملحة أو في تمويل عجز الموازنة.

وربما احتاج الأمر إلى ألا يصل كل من الطرفين "الجهة المستفيدة - حملة الصكوك" إلى غرضه إلا بالاتفاق على عمليتين يمثلان حزمة واحدة في الاتفاق.

ويتضح هذا الكلام بالمثال الآتي:

1- عقد السَّلَم في أبسط صوره:

نهى الشرع عن بيع ما ليس عندك كأصل ثم رخص في بعض صوره بشروط خاصة -لن نطيل في ذكرها هنا-، ويُسمى هذا بـ"بيع السلم".

ويلجأ بعض الأفراد إلى هذه الصورة للحصول على أموال نظير سلعة لم ينتجها هو بعد، مثل صاحب البستان الذي يتوقع أن يكون عنده كمية فاكهة في موسم الحصاد ويريد النقود الآن -غالبًا لينفق منها على عملية الإنتاج-، وحينئذٍ يُجري عقد السلم بينه وبين مشتر يشتري منه كمية معلومة بأوصاف معلومة -"يجب عدم ربطها بإنتاج هذا البستان وإن كان البائع في واقع الأمر ينوي تسليم البضاعة من محصول هذا البستان"-، ويقوم المشتري بتسليم كامل المبلغ إلى البائع في مجلس التعاقد ويكون بذلك قد تم للبائع "التمول" في الحال بينما يكون المشتري قد أدان البائع بالبضاعة المبيعة، وبطبيعة الحال فإنه غالبًا ما يحصل عليها بمزية سعرية عما لو اشتراها في موسم الحصاد.

2- الجمع بين السَّلَم والوعد بالوكالة:

إذا افترضنا في المثال السابق أن صاحب البستان لم يجد "تاجر فاكهة" يرغب في شراء إنتاجه عن طريق السلم، ولكنه وجد مستثمرًا راغبًا في الربح، فقد أوجد بعض المعاصرين حلاً لهذا؛ وهو أن يتم بيع السلم مع وعد البائع للمشتري أنه سيكون وكيلاً عنه في بيع البضاعة بعد تسلميها إليه.

وفي موعد التسليم يقوم البائع بتسليم البضاعة إلى المشتري وتدخل في مخازنه، ثم يتولى بيعها للتجار بسعر يومها والذي من الطبيعي أن يكون أكثر من سعر الشراء ويكون الفرق بينهما هو الربح الذي حصَّله المستثمر.

3- صكوك السلم الحكومية:

إذا افترضنا أن الجهة المستفيدة هي الدولة ذاتها وأنها تنتج معدن ما بوفرة، مثل: "الفوسفات بالنسبة لمصر"، وهي ترغب في بيع كمية من إنتاجها المتوقع لفترة قادمة لأحد سببين:

أ?- لتمويل مشروعات إنتاجية.

ب?- تمويل عجز الموازنة "وهو في هذه الحالة من الخطورة بمكان حيث يعالج عجز الموازنة في فترة بعجز أشد في فترات لاحقة".

ثم إنها في سبيل ذلك حددت كمية من هذا المعدن وقامت بتسعيرها مثلاً بمائة مليون دولارًا وقسمته على مائة صك قيمة كل منها "مليون دولارًا"، ثم طرحت تلك الصكوك فيحصل بذلك أنها تمولت بالمائة مليون دولارًا، وأنها ملزمة بتوريد الكمية المتفق عليها لصالح حمَلة الصكوك مجتمعين.

ومن الممكن أن تقوم الدولة بدور الوسيط في بيع تلك الكميات لصالح حملة الصكوك إلى الدول التي اعتادت استيرادها، ومن المتوقع حينئذٍ أن تكون حصيلة البيع أكثر من مائة مليون دولارًا، تمثل تلك الزيادة ربح حمَلة الصكوك.

ومن صور الصكوك التي يتنازل فيها مالك الأصل عن ملكيته له مقابل تمويل:

1- إذا افترضنا أن رجلاً يملك محلاً قيمته "مليون جنيهًا" عرضه للإيجار فوجد أنه يمكن أن يؤجره بمقدار ألف جنيهًا شهريًّا.

2- وبفرض أن ذلك الرجل يريد مليون جنيهًا الآن، ومع ذلك فهو غير راغب في بيع المحل بالكلية.

3- بعض المعاصرين يجيز هذا الإجراء وهو أن يقوم بالآتي:

أ?- بيع المحل لآخر بقيمة مليون جنيهًا مع اشتراط إعادة بيعه له مرة ثانية بعد 100 شهر.

ب?- يقوم بدور الوساطة بين المالك "المؤقت" والمستأجر ليتم الإيجار بالألف جنيهًا تمثل في واقع الأمر عائد الاستثمار بنسبة للمالك المؤقت والذي اشترى المحل بغرض الاستثمار لا غير.

4- بعد الـ100 شهر يقوم المالك المؤقت ببيع المحل ثانية إلى المالك الأصلي بسعر يوم البيع.

ومن الملاحظ أنها صورة أُعمِل فيها الكثير من صور الترخص، وثمة صورة أفضل منها قائمة على الإجارة بصفة كلية، ولكنها سوف تقتضي إطالة مدة الإجارة.

ففي المثال السابق: "المحل قيمته مليون - إيجاره الشهري ألف - يريد صاحبه أن يتمول مبلغًا كبيرًا دون بيع المحل".

الصفحة التالية