مناقشة قانون "الصكوك الإسلامية"
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
1- يقوم صاحب المحل بإيجاره لمدة "ألف شهر" بأجره ألف جنيهًا شهريًّا لمستثمر فيحصل على المليون جنيهًا.
2- يقوم صاحب المحل بالوكالة بين المستأجر المستثمِر وبين الراغبين في إيجار المحل مددًا تطول أو تكثر مراعيًا أن يكون الإيجار أكثر من ألف جنيهًا في الشهر، وبطبيعة الحال فإن قيمة الإيجار سوف تزداد مع الوقت، ويمثـِّل ذلك الارتفاع الربح الذي يجنيه المستثمر.
- في الأمثلة السابقة يمكن الاستعاضة عن "المالك - المحل" بـ "الدولة - أحد أصولها".
وهي أهم نقطة مثارة في القانون الحالي: هل نسمح للدولة بذلك مطلقًا؟ أم نسمح به بشروط؟ أم نغلق ذلك الباب أمام الدولة وتكون هذه الأنواع قاصرة على القطاع الخاص ويبقى أمام الدولة صكوك الاستصناع والمزارعة ونحوهما تُنشئ عن طريقهما أصولاً جديدة مما يرحِّب به الجميع؟
هذا ما سوف نناقشه في باقي المقال.
ثانيًا: عرض موجز لقصة قانون الصكوك في مصر:
1- تَبنى حزبا "الحرية والعدالة" و"النور" تقديم مشروع قانون للصكوك في مجلس الشعب، ولكن حكم حل مجلس الشعب حال دون مناقشته، وبصفة عامة فإن هذا الاقتراح اتسم بالإجمال بحكم كونه مقترحًا للجنة المالية والاقتصادية بمجلس الشعب.
2- قامت وزارة المالية بإعداد قانون خاص بها وذكرت إنها استفادت فيه من مشروع حزبي الحرية والعدالة وحزب النور، وتم عرضه على مجمع البحوث الإسلامية في "الأزهر الشريف" تمهيدًا لقيام الدكتور "مرسي" بإصداره باعتباره كان يملك حق التشريع قبل إقرار الدستور الجديد.
3- رفض مجمع البحوث الإسلامية القانون وبرر رفضه بسبب جوهري، وهو أن: القانون يتيح بيع وتأجير أصول الدولة "راجع الأمثلة المذكورة في الفقرة الأولى من المقال".
4- بعد إقرار الدستور الجديد قامت لجنة الشئون المالية والاقتصادية بإعداد مشروعها الخاص للصكوك وانتهت منه بتاريخ: "17-2-2013م"، ومن الواضح أنها حاولت تلافي اعتراض مجمع البحوث الإسلامية، فكان نص المادة الخامسة من مشروع قانون اللجنة كالتالي:
"يحظر استخدام الأصول الثابتة المملوكة للدولة ملكية عامة أو منافعها لإصدار صكوك في مقابلها، ويجوز للحكومة والهيئات العامة ووحدات الإدارة المحلية وغيرها من الأشخاص الاعتبارية العامة إصدار صكوك في مقابل حق الانتفاع بالأصول الثابتة المملوكة للدولة ملكية خاصة دون ملكية الرقبة، ويصدر بتحديد هذه الأصول والأصول المنقولة التي تصدر مقابلها صكوك قرار من مجلس الوزراء بناءً على عرض وزير المالية، ويجب تقييم الأصول ومنافعها التي تصدر في مقابلها الصكوك الحكومية بقرار من رئيس مجلس الوزراء، وتعتمد توصياتها من مجلس الوزراء".
وهذه المادة كما تَرى:
1- تحظر بيع أو إيجار أي ملكية عامة للدولة.
2- تحظر بيع أي ملكية خاصة للدولة "مثل القطاع العام".
3- تجيز بيع منافع "إيجار" الأشياء المملوكة للدولة ملكية خاصة، ولكن مع التشديد في الإجراءات.
وبهذه الصورة تكون هذه المادة قد حمت أصول الدولة ومنعت حتى خصخصة القطاع العام، وأقصى ما سمحت به هو الإجارة؛ وإن بقي أمر يحتاج إلى دراسة وهو: هل من المناسب وضع حد أقصى لسنوات الإجارة أم لا؟
إلا أن المفاجأة الكبرى كانت في أن "وزارة المالية" أجرت بعض التعديلات في قانونها الخاص بالصكوك وقدمته إلى مجلس الشورى، والذي أحاله إلى لجنة الشئون المالية والاقتصادية بتاريخ: "4-3-2013م".
وكان من العجيب أن تتنازل لجنة الشئون المالية والاقتصادية عن مشروعها الخاص لصالح مشروع وزارة المالية؛ لا سيما في الجوانب التي أثارت اعتراضًا من "الأزهر" ومن المجتمع، وعلى رأسه: حماية أصول الدولة... نعم، قامت اللجنة بدمج بعض المواد من المشروعين إلا أنها وفي أهم مادة اعتمدت الاقتراح المحال إليها من وزارة المالية، وكانت المادة التي تتحدث عن تنظيم إصدار صكوك فيما يتعلق بأموال الدولة (المادة رقم 3 في مشروع وزارة المالية - رقم 4 في الصورة النهائية التي أقرتها اللجنة)، ونصها كالآتي:
"لا يجوز أن تكون ملكية العقارات والمنقولات التي للدولة أو الأشخاص الاعتبارية العامة والمخصصة للنفع العام، ولا ملكية الموجودات القائمة وقت الإصدار لشركات القطاع العام وقطاع الأعمال متى كانت تدير مصلحة أو خدمة عامة - محلاً لعقد إصدار صكوك ولا محلاً لحجز ناشئ عن إصدارها، كما لا يجوز ترتيب أي حق عيني آخر عليها، ولكن يجوز أن يكون ما استحدث من موجودات هذه الشركات محلاً لحقوق مالكي الصكوك التي استحدثته... ".
وباقي المادة مشابه للمادة (5) في مشروع اللجنة، وهذه الصياغة في غاية الركاكة وعدم الوفاء بالمقصود حيث:
1- عدلت عن مصطلحات الملكية العامة والملكية الخاصة اللذين لهما تعريف قانوني محدد.
2- بعد ما حظرت بيع "الملكية العامة" -وإن كانت قد عدلت عن المصطلح إلى استعمال وصف إنشائي كما أسلفنا- عادت فقيدت ذلك الحظر فيما هو مخصص للنفع العام، مما يعني جواز بيع ما عدا المخصص للنفع العام.
3- كما أنها وبعد أن حظرت بيع الأصول المملوكة "ملكية خاصة" للدولة عادت فقيدت هذا الحظر بكونها مستعملة في مصلحة أو خدمة عامة مما يطلق يد السلطة التنفيذية في التفسير أو -على الأقل- يوقعها في صدام مع السلطة القضائية.
ويبقى الأمر المحير لأقصى الدرجات؛ كيف وافقت أغلبية اللجنة في مشروعها على صياغة منضبطة إلى حد كبير توحي بإدراك المخاطر المترتبة على إطلاق يد السلطة التنفيذية في هذا الباب ثم تنازلت بسهولة لرؤية مشروع وزارة المالية؟!
والجواب التلقائي: أن اللجنة قد استجابت لمطالب الوزارة إيمانًا منها بأهمية منحها المرونة الكافية لإنجاز عملها.
والذي ينبغي الانتباه إليه أمران، هما:
1- أنه لا ينبغي للسلطة التشريعية مهما بلغت ثقتها في السلطة التنفيذية الحالية أو في اختيار الشعب في المستقبل أن تُغفِل أن دور القانون سد الثغرات المحتملة للفساد.
2- وبعيدًا عن احتمالات الفساد فإنه طالما نتحدث عن تداول السلطة فلابد وأن تتعامل السلطة التشريعية مع الحكومة بأن الأصل فيها أن تحاول "تحقيق إنجازات"؛ ولو على حساب:
أ?- الأمن القومي على المدى البعيد.
ب?- النمو المطرد للموارد "ضمان التنمية المستدامة".