شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الوثائق الأممية للمرأة وحرب المصطلحات والمساعدات

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

الوثائق الأممية للمرأة: مصطلحات فضفاضة تبدأ من المساحة المشتركة ثم تندفع تدريجيًّا نحو الرؤية الغربية تحت وطأة "جزرة المساعدات" وفي الطريق "عصا العقوبات".

كانت هذه تغريدة لي على حسابي على توتير @ abd_mon_sh (وهذه فرصة للتحذير من حسابات وهمية منسوبة لي).

المهم أتاني رد من أحد المتابعين يسأل عن "ترجمة لهذا الكلام" فقررتُ أن أبدأ مقالتي بتلك التغريدة على أن يكون باقي المقالة شرحًا -أو إن شئتَ قل ترجمة- لها.

نتحدث هنا عن اتفاقيات المرأة الصادرة عن الأمم المتحدة؛ لا سيما اتفاقية "منع كافة أنواع التمييز ضد المرأة" المعروفة باسم: "السيداو" وتوابعها، ومن أخطرها: "وثيقة بكين"، وآخر عنقود تلك السلسلة -قطع الله دابرها- اتفاقية: "منع كافة أشكال العنف ضد المرأة".

وأظن أنه قد اتضح بصورة مبدأية ماذا نعني بالـ"مصطلحات الفضفاضة"... حيث إن مصطلحات "منع التمييز" يمكنك بحكم كونك مسلمًا أن تحمله على قوله -تعالى-: ( وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) (البقرة:228) ، كما أن ذهنك قد ينصرف إلى أن المقصود بمنع العنف ضد المرأة هو قوله -تعالى-: ( وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) (النساء:19) ، وقد تذهب بعيدًا فتظن أن القوم يريدون أن يتصدوا لجنوح بعض الرجال لاستعمال قوتهم في قهر المرأة فأرادوا أن يوجهوا طاقة هؤلاء الرجال إلى استعمال طاقتهم في حماية المرأة كما كانت آخر وصايا النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّجُ حَقَّ الضَّعِيفَيْنِ: الْيَتِيمِ، وَالْمَرْأَةِ ) (رواه أحمد والنسائي وابن ماجه، وحسنه الألباني) .

وقد تذهب أبعد وأبعد... فتظن أن الهدف الأسمى الذي تسعى إليه كل هذه الاتفاقيات هو إيجاد الأسرة التي تمثِّل سكنًا لأطرافها، فيعيشون في كنف السكينة تظللهم المحبة؛ فإن تقلبت القلوب -وما سُمي القلب قلبًا إلا من تقلبه- لم يكن أقل من مظلة "الرحمة" كما قال -تعالى-: ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) (الروم:21) ، وفي الواقع لم تكن هذه الأفكار -التي يمكن حمل هذه المصطلحات الفضفاضة عليها- قط حاضرة في نظرة العالم الغربي للعلاقة بين الذكر والأنثى في مرحلة من تاريخه ، فقد تردد العالم الغربي بين نمطين الأول: "ذكوري" محض، والثاني: "أنثوي" محض، ثم انتقل إلى نمط "جندري" -(سوف نعود إلى هذا المصطلح لاحقًا لنفك شفرته السرية!)-.

وأما المجتمع الذي يمكن تسميته: بالـ"مجتمع الأُسري" كحالة كل المجتمعات الراقية "إنسانيًّا" -وإن كانت لم تدرك ذلك التطور التقني الحديث- وهو النمط الذي جاءت به شريعة الإسلام؛ فلم تعرفه أوروبا قط! ومع تفاوت هذه المفاهيم إلا أن "المجتمع الغربي" أجبر "العالم الإسلامي" ابتداءً على أن يوقِّع معه على اتفاقيات صاغها هو وسمح لنا لفترة ما من الزمان أن نفسرها بطريقتنا وأن يفسرها هو بطريقته مستعملاً طريقة الصياغات الفضفاضة، ولكنه ظل يتحين اللحظة التي يستطيع فيها أن ينقض على الفريسة فيفرض إرادته كاملة.

بدأت القصة تحت شعار: "المساعدات" مقابل "التنازلات"، ولكن هذه الوسيلة لم تكن فعالة بنسبة مائة بالمائة؛ فبلد مثل "مصر" عاشت فترة طويلة رافعة شعار: "تجوع الحرة ولا تبيع مبادئها"، وبلاد الخليج لم تكن في حاجة إلى مساعدات.

ولكن يبدو أن تسعينات القرن الماضي قد جاءت ومعها تلك اللحظة التي كان الغرب ينتظرها حيث شهدت تلك الفترة انهيار الاتحاد السوفيتي، ثم الغزو العراقي للكويت، وجاءت أمريكا للمنطقة على متن حاملات الطائرات وصادفت هذه الأحداث الجسام وجود "مبارك" في سدة حكم مصر "رائدة العرب".

وللتاريخ: فقد كان "مبارك" حتى هذه اللحظة يبني طرقًا وينشئ كباري ويحافظ على حالة اقتصادية مقبولة، ولكنها كانت ترتكز على المساعدات التي لو توافرت إرادة سياسية لأمكن الاستغناء عنها بسهولة، ولكن مبارك "الذي يزعمون أنه كان طيارًا ماهرًا" كان في الحياة المدنية أشبه بالشخص الذي يظل طوال عمره مصنف في خانة المبتدئ في فن القيادة؛ يقود ببطء ورتابة وليس لديه أي استعداد للمناورة، ويكاد يموت هلعًا إذا فقد شيئًا من السيارة ولو كان شيئًا كماليًّا!

ومن هنا "هرول مبارك" إلى أمريكا.

ومن هنا فقدت مصر وسطيتها في السياسة الخارجية.

ومن هنا فقدت مصر ريادتها العربية.

ومن هنا تحولت مصر إلى وسيط لأمريكا وإسرائيل.

ومن هنا قَبِلت مصر أن تنضم لطابور المروجين "للأنثوية".

ومن هنا ظهرت السيدة "سوزان ثابت" بمساعدة أستاذها "سعد الدين إبراهيم".

ومن هنا جاءت عصبة السيدة "سوزان ثابت".

ومن هنا رأت قوى عالمية أن استمرار "سوزان ثابت" في غاية الأهمية لتمرير هذه الثقافات؛ فأوحت إليها بفكرة التوريث، محرضين إياها على الاستمرار في دائرة الضوء والذي يعنيهم هو استمرارها في دائرة التأثير.

ومن هنا كان الصدام بين "سوزان مبارك" وبين الأزهر ممثلاً في شيخه آنذاك الشيخ "جاد الحق علي جاد الحق"، وفي فضيلة الشيخ "نصر فريد واصل"؛ الذي يُعد حالة في غاية الندرة لموظف يحال على المعاش في تمام الستين رغم أن كل من حوله كانوا قد تجاوزوا السبعين، ولكنهم أرادوا أن يتخلصوا منه بعد أن استراحوا بوفاة الشيخ "جاد الحق" -رحمه الله-.

ومن هنا بدأتْ "كرة الثلج"؛ التي كبرت وتدحرجت، ثم تحركت في الخامس والعشرين من يناير 2011م لتأخذ الرئيس ونجله وحرمه تاركة خلفهم عصبة لكل منهم تدير نفس ملفاته بنفس آلياته -ومنها: ملف الانبطاح الدولي، وبيع المبادئ بحفنة مساعدات تذهب عادة إلى منظمات المجتمع المدني التي يديرونها هم أيضًا!-.

هذا شرح مختصر للعبارة التي بدأنا بها: (الوثائق الأممية للمرأة: مصطلحات فضفاضة تبدأ من المساحة المشتركة تندفع تدريجيًّا نحو الرؤية الغربية تحت وطأة "جزرة المساعدات" وفي الطريق "عصا العقوبات").

ويبقى لكي تتضح لكَ الصورة كاملة أن نتحدث في العناصر الآتية:

أولاً: المجتمع الأوروبي من "الذكورية" إلى "الأنثوية".

الصفحة التالية