الوثائق الأممية للمرأة وحرب المصطلحات والمساعدات
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
ثانيًا: نظرية "مالتس" ونظرية "الجندر".
ثالثًا: لماذا يصدِّرون لنا فلسفاتهم؟
رابعًا: اتفاقيات المرأة من 1952م إلى 2013م.
خامسًا: مصر واتفاقيات المرأة.
سادسًا: اتفاقية 2013م "إلغاء ومنع كافة أشكال العنف ضد النساء والفتيات".
أولاً: المجتمع الأوروبي من "الذكورية" إلى "الأنثوية":
جنس الرجال أخشن من جنس النساء والعكس فجنس النساء أرق خلقة من جنس الرجال -هذه حقيقة حسية لا يمكن أن يجادل فيها أحد-، وقد اهتدت معظم المجتمعات الراقية عبر التاريخ إلى أن الاستفادة المُثلى من هذا التنوع هو في التكامل بين الجنسين، وعرفت الشعوب التي ساهمت في بناء حضارات كبرى نظام الأسرة بصورة تكاد تكون متقاربة بين هذه الشعوب، وفرَّقتْ كل هذه الشعوب بين علاقة جنسية عابرة أو حتى ممتدة بين رجل وامرأة، وبين علاقة أخرى مقدسة تسمى زواجًا حتى لو كانوا يبيحون غيرها.
ولكن هناك حقيقة أخرى مشاهدة في البشرية وهي أن القوة تؤدي بصاحبها في كثير من الأحيان إلى الطغيان كما قال -تعالى-: ( كَلا إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى . أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى ) (العلق:6-7) ، ومِن ثَمَّ فيُتصور أن تحدث حالات جنوح من الرجال في استخدام قوتهم في قهر النساء، وهي ظاهرة عانت وتعاني منها كل المجتمعات قديمًا وحديثًا، ولكن هذه المشكلة إذا وقعت في ظل نظام تشريعي عادل فيمكن أن يضع من الوسائل والأدوات وطرق الحماية المجتمعية ما يحمي المرأة من أي طغيان قد يمارسه ضدها رجل، ولكن تبقى المشكلة أن التشريع غالبًا ما يتولاه الرجال؛ ومِن ثَمَّ فهم يحابون أنفسهم، ومِن ثَمَّ فهم يغضون الطرف عن هذه المشكلات ولا يحاولون وضع التدابير التي تحد من تلك المشكلة، وهذه هي المعضلة التي واجهتها المرأة عبر التاريخ.
ولكن أزمة المرأة الأوروبية كانت أشد؛ حيث إن الرجل لم يتولَ فقط التشريع الدنيوي، وإنما حدث الانحراف الديني الذي وصفه الله -تعالى- بقوله: ( فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ) (البقرة:79) .
والأدهى من ذلك والأمَر أن حركة تبديل الدين تمتْ على يد رجل لديه عقدة نفسية من النساء هو "بولس"؛ ولذلك امتلأ كلامه -"الذي هو عند أتباعه وحيًّا"- بالحط من المرأة والتحقير من شأنها ثم تسابق أتباعه بعده على ذلك؛ حتى انتهى بهم الأمر إلى النقاش في شأن المرأة: هل لها جسد وروح مثل الرجل أما أنها جسد بلا روح؟! وأمثلهم طريقة مَن كان يقول: إن لها روحًا، ولكنها روح شريرة!
إذن اكتملت عوامل القهر ضد المرأة: "قوة الرجل + غشم القانون + عقائد دينية تزدري المرأة".
وظل الأمر كذلك حتى قامت الثورة الصناعية واحتاجت الرأسمالية للمرأة لكي تسد الطلب المتزايد على الأيدي العاملة؛ لا سيما في العصور المبكرة للنهضة الصناعية وقبل اختراع وسائل الميكنة الحديثة، وتعرضت المرأة لعميلة قهر جديدة واستغلال جسدي وجنسي مع إعطاء أجور أقل؛ مما جعل حال المرأة في تلك المرحلة أسوأ من سابقتها.
ومع توسع الميكنة وتقدم وسائل الاتصالات ووسائل الإعلان احتاجت الرأسمالية إلى دور جديد للمرأة تكون فيه أكثر جاذبية ورونقًا، ومِن ثَمَّ أطلقت دعواتها لتحرير المرأة والتي بدأت في خمسينات القرن الماضي، وتبناها الكثير من الفلاسفة الذين اندفعوا من عقدة ذنب تاريخية، وكعادتهم في الانتقال من التطرف إلى التطرف المضاد انقلبوا من مجتمع ذكوري إلى مجتمع "أنثوي" يسخر من الموروث الديني ونظرته للمرأة ويعدل القوانين انتصارًا للمرأة، ولا يمانع من الظلم المضاد تحت مسمى: "التمييز الإيجابي" (من صوره المخففة: نظام الكوتة لا سيما في الانتخابات، والذي يسمح للمرأة بالإضافة إلى فرصتها في المنافسة الطبيعية ألا تتنافس على بعض المقاعد الأخرى إلا مع امرأة مثلها مما يعني في النهاية أنها احتلت مكان رجل أجدر منها بهذا المكان!).
ولكن يبقى السؤال: هل أفلحت هذه الإجراءات في رفع الظلم الحقيقي عن المرأة؟
الإجابة يمكنك أن تحصل عليها من هزيمة "هيلاري كلينتون" في الانتخابات الداخلية للحزب الديمقراطي في أمريكا أمام "أوباما"، رغم الحملة الشرسة التي تعرض لها "أوباما"، ورغم الحضور القوي لـ"هيلاري كلينتون" في فترة حكم زوجها، ورغم أن الحزب الديمقراطي أكثر تحررية في هذه الأمور من الحزب الجمهوري؛ ولتضيع فرصة أظنها لن تعود قريبًا أو لن تعود أبدًا على أمريكا أن تثبت أنها وفية لما تنادي به من المساواة التامة بين الرجل والمرأة.
هذا بالنسبة للحقوق السياسية، وأما بالنسبة للحقوق الأخرى فمعدلات ضرب النساء والتحرش بهن من الرؤساء والمديرين، بل والاغتصاب الكامل في أماكن العمل وغيرها في تزايد مستمر... وهذا ما تجده بارزًا في افتتاحية كل وثائق الأمم المتحدة عن المرأة بما في ذلك الوثيقة الأخيرة.
والعلة في ذلك واضحة، فالقوانين وإن كان ظاهرها الانحياز للمرأة إلا أنها في النهاية تكون ضدها؛ لأنها تغفل أنها بالفعل أضعف خلقة من الرجل وأن الحكومات لا تستطيع أن توفر شرطيًّا لكل أسرة فضلاً أن ترسل شرطيًّا خلف كل غادية ورائحة؛ وهذا يعني أن المغالاة في الانحياز نظريًّا للمرأة لم يمنع أن هناك ممارسات تنتمي إلى ثقافة العصور الوسطى ما زالت تتم ضد المرأة!
الشريعة الغراء وحل المشكلة:
ونحن في هذا السياق التاريخي لسنا بصدد التعرض للمنهج الإسلامي في هذا الباب، ولكن نعرِّج على عناصره بسرعة.
والتي يمكن إيجازها في النقاط الآتية:
1- تشريعات قائمة على التكامل لا التنافس.
2- توازن بين الحقوق والواجبات بين الزوج والزوجة.
3- ولاية الأب أو مَن يليه من العصبة على زواج ابنته وأثر ذلك على التوازن.
4- نظام الحسبة وما يقتضيه من تدخل المجتمع لرفع الظلم عن أي مظلوم.
وبهذه الطريقة يكون النظام قد حقق العدالة بين الرجل والمرأة، كما يكون قد وضع الآليات العملية المناسبة التي تتصدى للانحرافات الفردية.