إنصاف المرأة بين النظرية والتطبيق
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
مع مثال تطبيقي رائع من سيرة عمرو بن العاص -رضي الله عنه-
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
تمهيد:
ما زلنا بصدد مقاومة طوفان التغريب في قضية المرأة خاصة، ونتعرض في هذا المقال لمعنى العدل وما يضاده من الظلم، وبيان أن الإسلام أنصف المرأة بينما وقع الظلم من المسلمين تجاه المرأة في بعض الأزمنة، وبيان أنه كلما ازداد التزام المسلمين بدينهم بصفة عامة كلما ازداد تطبيقهم للعدل بين الرجل والمرأة، ومِن ثَمَّ كانت أفضل أزمنة المسلمين في هذا الجانب هي أفضل أزمنتهم في الالتزام بالدين عمومًا -زمن القرون الثلاثة الفاضلة-، ونختم بنموذج تطبيقي من سيرة عمرو بن العاص -رضي الله عنه-.
العدل على المستوى النظري والعملي:
العدل في أي مجتمع يتم على مستويين:
الأول: الإطار النظري ممثلاً في القيم والمُثُل ويتفرع عليها القوانين المطبقة في هذا المجتمع.
الثاني: وهو فرع على الأول يتمثل في تطبيق هذه المُثل وتلك القوانين.
وينشأ الظلم في أي مجتمع على هذين المستويين أيضًا؛ فإذا كان الظلم على المستوى النظري كان أعمق وأشمل، وتبعه في الأعم الأغلب ظلم شامل على المستوى التطبيقي، ومثاله: "ثقافة التفرقة العنصرية على أساس اللون!"، والتي كانت سائدة كثقافة عامة في المجتمعات الغربية حتى وقت قريب، ومنها فيما يتعلق بالمرأة: ما كان يسود عندهم أن المرأة جسد بلا روح أو أن روحها روح شريرة!
وترتب على هذه الأفكار قوانين تترجم هذه الأفكار، كما كنتَ تجد في "أمريكا" حظر دخول السود في أماكن معينة، وحظر ركوبهم وسائل المواصلات التي يركبها البيض أو السماح لهم بركوبها على أن يلتزم الأسود بترك مقعده للأبيض إذا طلب ذلك، إلى آخر هذه الصور من الظلم المطبِق... !
ومنه في شأن المرأة: إعطاء الزوج حق بيع زوجته والتنازل عنها، واعتبار القوانين لها من جملة المتاع الذي يورَّث! وما شابه ذلك من التشريعات الجائرة.
وأما إذا كانت القوانين "المثل والقوانين" عادلة؛ فإن هذا وحده لا يكفي لتحقيق العدل؛ لأن كثيرًا من الأفراد قد يخالفون المُثُل والقوانين لأسباب، منها:
1- ميل مَن يملك القوة إلى استعمالها فيما يحقق أهدافه كما قال -تعالى-: ( كَلا إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى . أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى ) (العلق:6-7) .
2- عدم كفاية الخطاب التربوي لحمل الناس على الالتزام بهذه المثل.
3- عدم الحزم في تطبيق القوانين فيما يتعلق بالقانون.
ويمكنك أن تلحظ هذا جيدًا فيما عرضناه من أمثلة فيما يتعلق بقضية التفرقة بين الناس على أساس اللون، وكيف أن بقايا العنصرية ما زالت موجودة كواقع في المجتمع الأمريكي رغم أنهم تبرأوا من ذلك تمامًا على المستوى النظري.
وفي قضية المرأة رغم أنهم تطرفوا فيها إلى الناحية الأخرى إلا أن الإحصائيات ما زالت تشير إلى ارتفاع معدلات ضرب الزوجات والرفيقات؛ بالإضافة إلى الابتزاز الجنسي للمرؤوسات، وجرائم التحرش الجنسي والاغتصاب، وكل ذلك نابع من رغبات عارمة بالسيطرة أكثر من أي عامل آخر حيث تتصف هذه المجتمعات بالانحلال الجنسي.
المرأة بين الإسلام والمسلمين:
قد يَطرح البعض سؤالاً مفاده: هل ظلم الإسلام المرأة؟
وهو السؤال الذي لا نظن أن مسلمًا يطيق أن يسمعه فضلاً عن أن يجيب عليه بنعم!
ومِن ثَمَّ... فعادة ما يُطرح السؤال بالصيغة الأخرى: هل ظلم المسلمون المرأة؟
ورغم أن معظم مَن يطرح هذا السؤال يريدون أن يصلوا من خلاله إلى اتهام الإسلام ذاته أو -على الأقل- وصف شرائعه بأن فيها ظلمًا للمرأة؛ إلا أن هذا لا يمنعنا أن نجيب على السؤال إجابة منصفة وفي ضوء ما قدمناه من أن العدل في المجتمعات يتم على مستوى الطرح النظري ثم على مستوى التطبيق العملي.
فنقول: نعم وجد ظلم للمرأة في كثير من العصور، وهذا الظلم حينما يقع في المجتمعات الإسلامية يكون نابعًا من ضعف التربية وغياب الوازع الإيماني؛ حينئذٍ تدفع الرجال قوتهم إلى الطغيان، ومع ضعف واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ينحرف بعض الرجال ويسكت الآخرون؛ مما يدفع المزيد من الرجال إلى التشبه بهم! ويكون ذلك بصور كثيرة، منها: العضل، ومنها: الإيذاء وسوء العشرة، ومنها: منعها حقها في الميراث، ومنها: إجبارها على الزواج ممن لا ترغب في الزواج منه إلى آخر هذه الصور.
إذن فيجب علينا أن نعترف أن بعض المجتمعات الإسلامية تظلم المرأة، ولكن العلاج يكمن في عودة هذه المجتمعات الإسلامية إلى الإسلام لا في أن نستورد مُثلاً وقيمًا غريبة على الإسلام تخل بدين أصحابها، وتؤدي إلى انهيار الأسرة المسلمة.
إن المسلم والمسلمة لديهما يقين كامل جازم في هذه القضية -وفي غيرها من القضايا- أن شرع الله كامل شامل، وأنه هو العدل المطلق ( وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) (المائدة:50) ، ومِن ثَمَّ فإذا تعرضوا لأي قضية من هذه القضايا فإن بحثهم يقتصر دائمًا على معالجة الانحراف الحاصل من حيث التطبيق العملي.
بين العدل والمساواة:
ورغم وضوح المعنى الذي قررناه من أن المسلمين لا يعيدون النظر في الإسلام قط، وإنما يطالبون في سبيل حل مشكلاتهم بأن يلتزم المسلمون بشرائع الإسلام إلا إن الغرب استطاع أن يعبث بهذه الثوابت فيما يتعلق بقضية المرأة على الأقل.
وهذا على مستويين:
الأول: الوصول ببعض المنتسبين إلى الإسلام بقناعة أن الإسلام ظلمَ المرأة! كهؤلاء الذين يتبجحون بأن الحكم الشرعي الفلاني فيه ظلم للمرأة، وهؤلاء إذا بلغ بهم الحال إلى الطعن في حكم شرعي ثابت كآيات الميراث -مثلاً- خرجوا من الملة -والعياذ بالله-.
الثاني: تشكيك بعض المسلمين في كثير من الأحكام الشرعية الثابتة والطعن عليها باعتبارها جور لا تأتي الشريعة بمثله؛ رغم ثبوت هذه الأحكام بأدلة صحيحة.