إنصاف المرأة بين النظرية والتطبيق
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
ولعل "الثغرة الجوهرية" التي يَنفذ منها هؤلاء هي: "ظنهم أن العدل هو المساواة التامة بين الرجل والمرأة"، وانطلاقًا من هذه القاعدة يعتبرون كل تفرقة بين الجنسين هي خرق لهذه المساواة، رغم أنه وفق معيارهم فإن بعض هذه الأحكام كانت في صالح المرأة لا الرجل الذي ألزمته الشريعة بالمهر عند عقد الزواج، وبالإنفاق في الحياة الزوجية، وبالنفقة عند الطلاق، وهي أحكام تمثِّل واجبات على الرجل وحقوقًا للمرأة.
ومَن تأمل الشريعة وجد أنها تأمر بالعدل كما في قوله -تعالى-: ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ) (النساء:58) ، والعدل يكون في تقابل الحقوق والواجبات وليس في تطابقهما؛ وهذا يتجلى واضحًا في حال علاقة الرجال بالنساء فمع قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( إنّما النِّساءُ شَقائِقُ الرِّجالِ ) (رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وصححه الألباني) ، قال -تعالى-: ( وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) (البقرة:228) ، وهذا يقرر مبدأ التقابل والتكامل بين الحقوق والواجبات، بل القوامة ذاتها التي ميز الله الرجال بها ليست حقًا محضًا، بل هي واجب أكثر منها حق حيث تستلزم النفقة والرعاية والدفاع والحماية.
ورغم سعي الغرب سعيًا حثيثًا لتحقيق المساواة التامة بين الجنسين فما زال يتخبط خبط عشواء في تحقيق تلك المساواة؛ حتى قرروا أن الدور الاجتماعي الذي يلعبه الإنسان يمكن أن يكون بمعزل عن الجنس البيولوجي الذي خُلق عليه، بل فتحوا باب التلاعب في الجنس البيولوجي بعمليات تحويل الجنس وعمليات تمكين الرجال من الحمل، وغيرها من صور التلاعب بالفطرة وتغيير خلق الله!
العدل بين الرجل والمرأة = المساواة في الإنسانية والتنوع المتكامل المتكافئ في الأدوار الاجتماعية:
إذا اتضح لك الفارق بين العدل والمساواة وتبيَّن لكَ أن المساواة لا تكون عدلاً إلا بيْن المتماثلين، ثم تأملتَ شرع الله -عز وجل- وما جاء في شأن الرجل والمرأة؛ سوف تجد أن الأمور التي تتعلق بالإنسان من حيث كونه إنسانًا تكون فيها المساواة التامة بين الرجل والمرأة، وأما الأمور التي قدَّر الله أن يكون دور الرجل فيها غير دور المرأة تجد التنوع والتكامل المتكافئ "وهذا هو العدل بعينه"، وما سواه فظلم وجور؛ وإن فرح به أصحابه وظنوه عدلاً!
فمن حيث المساواة في الإنسانية قال الله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) (الحجرات:13) ، ومنه قوله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ) (النساء:1) ، وقوله -تعالى-: ( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) (التوبة:71) .
وأما الثاني: فيندرج تحته جميع الأحكام المختلفة، والتي ظنها البعض على خلاف العدل متناسيًا أنها مع اختلافها؛ فإن القاعدة الكلية التي تحكمها هي قوله -تعالى-: ( وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ) (البقرة228) .
ويجمع بيْن الأمرين قوله -تعالى-: ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ) (الروم:21) ، وقوله: ( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا... ) (الأعراف:189) .
نموذج عزيز في الإنصاف من سيرة عمرو بن العاص -رضي الله عنه-:
إنه مما يندى له الجبين أن تكون الصورة الذهنية عن عمرو بن العاص -رضي الله عنه- التي استطاع الشيعة أن يقنعوا بها عددًا من الرموز الأدبية في الأمة -ومِن ثَمَّ قاموا بدورهم ببثها بين أبناء الأمة- هي صورة المخادع الذي يوظـِّف ذكاءه في التغرير بخصمه، ولم يشفع له عندنا نحن "أهل مصر" أن بلادنا قد نوَّرها الله بالإسلام على يديه، بينما منا من يمتن لأعداء الأمة لحفنة من المساعدات!
وفي الواقع: فإن تلك القصة التي نوردها هنا نذكرها لكي نبين كيف يمكن أن يهذب الإسلام النفوس، فتصل إلى حالات نادرة من العدل ولو على النفس أو الأقربين؛ ولندرك أن المجتمع الذي يطبق الإسلام تطبيقًا شاملاً في غنى عن استيراد حلول من عند غيره بعضها من باب الاستجارة من النار بالرمضاء، والبعض الآخر هو من قبيل الاستجارة من الرمضاء بالنار!