شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

إنصاف المرأة بين النظرية والتطبيق

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

عن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- قال: أَنْكَحَنِي أَبِي امْرَأَةً ذَاتَ حَسَبٍ، فَكَانَ يَتَعَاهَدُ كَنَّتَهُ فَيَسْأَلُهَا عَنْ بَعْلِهَا فَتَقُولُ: نِعْمَ الرَّجُلُ مِنْ رَجُلٍ لَمْ يَطَأْ لَنَا فِرَاشًا، وَلَمْ يُفَتِّشْ لَنَا كَنَفًا مُنْذُ أَتَيْنَاهُ، فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَيْهِ ذَكَرَ لِلنَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: ( القَنِي بِهِ )، فَلَقِيتُهُ بَعْدُ، فَقَالَ: ( كَيْفَ تَصُومُ؟ ) قَالَ: كُلَّ يَوْمٍ، قَالَ: ( وَكَيْفَ تَخْتِمُ؟ )، قَالَ: كُلَّ لَيْلَةٍ، قَالَ: ( صُمْ فِي كُلِّ شَهْرٍ ثَلاَثَةً، وَاقْرَإِ القُرْآنَ فِي كُلِّ شَهْرٍ )، قَالَ: قُلْتُ: أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: ( صُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ فِي الجُمُعَةِ )، قُلْتُ: أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: ( أَفْطِرْ يَوْمَيْنِ وَصُمْ يَوْمًا ) قَالَ: قُلْتُ: أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: ( صُمْ أَفْضَلَ الصَّوْمِ صَوْمَ دَاوُدَ صِيَامَ يَوْمٍ وَإِفْطَارَ يَوْمٍ، وَاقْرَأْ فِي كُلِّ سَبْعِ لَيَالٍ مَرَّةً ) (رواه البخاري) . وعند أحمد بسند صحيح فَقَالَ عمرو -رضي الله عنه-: أَنْكَحْتُكَ امْرَأَةً مِنْ قُرَيْشٍ ذَاتَ حَسَبٍ، فَعَضَلْتَهَا، وَفَعَلْتَ، وَفَعَلْتَ ثُمَّ انْطَلَقَ إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَشَكَانِي-، فَأَرْسَلَ إِلَيَّ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَأَتَيْتُهُ، فَقَالَ لِي: ( أَتَصُومُ النَّهَارَ؟ ) قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: ( وَتَقُومُ اللَّيْلَ؟ ) قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: ( لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَنَامُ، وَأَمَسُّ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي ).

فهذه القصة فيها نموذج رائع للعدل والإنصاف مع المرأة؛ ليس فقط كأم وزوجة وبنت، بل كزوجة ابن حيث يميل البشر بطبيعتهم في مثل هذه الأحوال إلى محاباة ابنهم على زوجته وابنتهم على زوجها.

ولكن عمرو بن العاص -رضي الله عنه- ضرب لنا في هذه القصة ذلك المثل الرائع المليء بالفوائد، والتي منها:

1- قيامه بحق ابنه عليه والزيادة على القدر الواجب من الإنفاق عليه حتى يستغني إلى مساندته في الزواج، وهذه الصورة من الرعاية الشاملة للأبناء لا تكاد توجد إلا في المجتمعات الإسلامية.

2- عندما توقع انشغال ابنه عن حق زوجته لم يتركها تواجه المشكلة وحدها ولم ينتظر حتى تشتكي، بل بادر بتلمس الأمر واستنطاقها بشكواها.

3- وجدت المرأة المسلمة من حسن الكنايات ما تعبِّر به عن شكواها دون أن تخسر حياءها؛ خلافًا لمن يريدون قتل حياء المرأة بصفة عامة، ثم لا يكادون يتذكرون هذا الحياء إلا في معرض الطعن على مبدأ أن المرأة المتضررة من تقصير زوجها في حقها يمكنها أن تشتكي إلى القاضي فيزعمون أن الحياء يمنعها، والبديل "عندهم" منح حق الطلاق للمرأة كالرجل!

4- لم يحاول عمرو -رضي الله عنه- أن يدافع عن ابنه ولو بتخفيف حدة الخطأ، بل أقرها على شكواها.

5- حاول عمرو -رضي الله عنه- أن يصلح الأمر بنصح ولده.

6- النقطة الأكثر إبهارًا في هذا الموقف أن عمرو -رضي الله عنه- بعد ما يأس من حمل ولده على رفع الظلم عن زوجته كان هو الوكيل عنها في شكوى ولده إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-!

خلاصة الأمر: أن الشريعة كاملة شاملة جاءت بالعدل بين البشر، وأن انحراف البعض عنها "الذي ربما يحدث بدوافع طيبة" -كما في هذه القصة- يُعالج عن طريق:

1- التعليم بأن يعرف كل طرف حقوقه وواجباته.

2- الموعظة لحمل المقصر على استشعار أنه ظالم أو مقصر في حقوق من يعاملهم، وانظر إلى تسمية عمرو -رضي الله عنه- لفعل ابنه "عضلاً"؛ تنفيرًا له عنه، ثم قول النبي -صلى الله عليه وسلم- كما في بعض الروايات: ( يَا عَبْدَ اللَّهِ، أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ؟ ) قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ( فَلاَ تَفْعَلْ، صُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا ) (متفق عليه) .

3- شيوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالصورة التي تجعل كل مطلع على خطأ يسعى لنصيحة المخطئ، وفي هذه القصة قام عمرو -رضي الله عنه- بتصويب موقف ابنه، وورد مثلها بين أبي الدرداء وسلمان -رضي الله عنهما-.

4- الشكوى إلى القاضي، وهذه يمكن أن تقوم بها المرأة بنفسها أو بواسطة بعض أقاربها، بل إذا كان المجتمع كمجتمع الصحابة -رضي الله عنهم- ربما قام بها بعض أقارب زوجها.

وفي النهاية: نطالب الغرب والمتغربين أن يرفعوا أيديهم عن المرأة المسلمة، ونطالب الدعاة والمصلحين أن يناصروا قضايا المرأة المسلمة، وأن يُنكروا ما يمكن أن تتعرض له من ظلم.

الصفحة السابقة