مقارنة بين نظام الخلافة وبين الدولة الحديثة ذات المرجعية الإسلامية (2)
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد قدمنا في الحلقة الأولى من هذه الدراسة تصورًا عامًا حول أبرز الفروق بين نظام الإمامة وبين نظام الدولة الدستورية القانونية الحديثة، وأثَر هذا على رأس النظام في كل منهما؛ أعني بهما: "الإمام" في الأولى، و"الرئيس" في الثانية.
وقد ذكرنا في المقالة الأولى أبرز ميادين الخلاف، وهي:
1- أثر مبدأ الفصل بين السلطات في الدولة الدستورية الحديثة وأثره على صلاحيات "الرئيس" مقارنة بصلاحيات "الإمام".
2- إذا كان من المتفق عليه أن نظام الإمامة يتضمن حق المعارضة تحت مسمى: "الحسبة" بينما تلعب مؤسسة أهل الحل والعقد دور "التوازن" مع صلاحيات الرئيس، إلا أن النظام الدستوري قد جعل المعارضة المادية "أحزاب المعارضة" هي أحد أبرز آليات التوازن مما يقتضي النظر إلى الأحزاب المعاصرة على أنها تقوم بهذين الدورين المزدوجين.
وتثور في العادة مشكلة في التعامل مع هذا الواقع عندما تكون الأحزاب الإسلامية جميعها في مقاعد المعارضة بينما يثور لدى البعض بعض الإشكاليات في حالة وجود حزب إسلامي حاكم أو رئيس إسلامي.
وفي هذه المرة سوف نناقش القضية الأولى، وهي: "أثر النظام الدستوري على صلاحيات الرئيس" -رئيس السلطة التنفيذية-، كما سنبينه فيما يأتي:
أولاً: واجبات الدولة وواجبات الإمام:
عند مراجعة كتب السياسية الشرعية فلن تجد كبير عناء في إدراك أنه لا يوجد أي فرق بين وظائف الدولة ووظائف الإمام، فالإمام هو أعلى سلطة في الدولة وهو وكيل عن الأمة في تحقيق الدولة، ومن هنا تجد أن معظم علماء السياسة الشرعية يعدلون عن تعريف واجبات الدولة إلى تعريف واجبات الإمام فيقولون: "الإمامة وظيفة شرعية يُراد بها حفظ الدين وسياسة الدنيا به"؛ وهي بعينها وظيفة الدولة، ومِن ثَمَّ فإن نظام الإمامة لا يعرف الفصل بين السلطات بالمعنى الموجود في نظام الدولة الحديثة، وإن كان الإسلام قد عرف توزيع المهام بما يمكنك أن تشير بسهولة إلى وجود السلطات الثلاث عبر مؤسسات قائمة وظاهرة في تاريخنا الإسلامي إلا أن الفرق الجوهري هو أن كل العاملين في الدولة الإسلامية وفق نظام الإمامة يعتبرون نوابًا عن الإمام.
يقول الدكتور "عبد الحميد متولي" في كتاب "مبادئ نظام الحكم في الإسلام":
"الخلافة هي -كما قدمنا- نيابة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حراسة الدين وسياسة الدنيا به، ولقد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيما يتعلق بمهامه السياسية -مهام الحكم- يجمع بين السلطات الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية، وكذلك شأن الخلفاء فإنه نظرًا لما يتمتع به الخليفة من الرياسة العامة في الدولة الإسلامية نيابة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان حقًا له كما يقول رجال الفقه الإسلامي أن يتولى أعمال الدولة وينفذ من الأنظمة ما يراه كفيلاً بتنفيذ ما عاهد الأمة عليه لدى بيعته".
وفي مقابل هذه الصلاحيات الممنوحة للإمام في نظام الخلافة فقد اتسم هذا النظام بوجود آليات توازن مع هذه السلطة عبر الوسائل الآتية:
1- المسئولية الشاملة للإمام عن تصرفاته حتى بالغ عمر -رضي الله عنه- في استشعار هذه المسئولية، فقال كلمته المشهورة: "لو أن دابة في العراق عثرت لخشيت أن يسأل عنها عمر!".
2- تجاوز حق نصيحة الحكام إلى اعتباره واجبًا مما يعرف بالحسبة السياسية على الحكام.
3- إعطاء أهل الحل والعقد صلاحيات واسعة في مراقبة الإمام وعزله إذا اقتضى الأمر حتى إن بعض أهل العلم كان يفسر قوله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ) (النساء:59) ، بأن أولي الأمر هنا يشمل الأمراء "الإمام ونوابه" والعلماء "أبرز مكونات أهل الحل والعقد".
ثانيًا: مبدأ الفصل بين السلطات:
في طريق تطوره من الديكتاتورية إلى الديمقراطية توصل الفكر السياسي الغربي إلى إعمال مبدأ الفصل بين السلطات بحيث قسَّموا سلطات الدولة إلى ثلاث سلطات، ثم زادوا على ذلك العمل الأهلي في مقابل سلطات الدولة الثلاث، وهذا اقتضى وجود سلطة تأسيسية تنشئ هذه السلطات وتوزِّع العلاقة بينها وهي المسماة بالسلطة: "التأسيسية"، وهي في النظام الدستوري تعني واضعي الدستور.
والتأسيس هنا يعني تأسيس وضع قانوني وتوزيع صلاحيات، فينطبق على الدول حديثة الاستقلال والدول التي ترغب في تغيير دستورها كنتيجة لثورة أو انقلاب أو رغبة شعبية في إعادة تشكيل مؤسسات الدولة.
ثالثًا: الفرق بين التمييز بين السلطات وبين الفصل بينها:
ذكرنا أن نظام الإمامة قد عرف تمييزًا واضحًا بين السلطات، ومنحت بعض مؤسساته سلطات واسعة، ولكنها كانت في النهاية تستمد وجودها وتكتسب صلاحياتها من تفويض رأس الدولة "حتى استقلال القضاء المعروف في تاريخنا هو مختلف عن مبدأ الفصل بين السلطات" حيث يملك الخليفة تولية القضاة وعزلهم.
وفي حالة الفصل بين السلطات لا تستمد السلطات الأخرى وظائفها واختصاصاتها من خلال السلطة التنفيذية وإنما تستمدها من السلطة التأسيسية ذاتها، فهي في هذه الحالة سلطة مساوية للرأس الذي يُسمى حينئذٍ: "رأس السلطة التنفيذية"، بينما يتولى باقي التنفيذيين صلاحياتهم بتفويض وتوكيل منه.
إلا أن قواعد الدولة الدستورية قد أخذت خطوة أخرى في هذا الاتجاه حينما حرصت على وجود شخصية تنفيذية كبرى غير الرئيس "رئيس الوزراء" يسند إليه مهام بقوة الدستور لا بتفويض من الرئيس، بل إن بعض الدساتير ربما ترفع شأن الوزراء فتجعل لهم سلطة مستقلة عن سلطة "رئيس الوزراء".
وإذا كانت آليات الفصل بين السلطات الثلاث قد وصلت إلى حالة من الاستقرار والنضج بحيث تتشابه قواعدها في كل دول العالم تقريبًا فإنه يبقى الجدل عند وضع دساتير كل دولة حول توزيع الصلاحيات بين (الرئيس - رئيس الوزراء - الوزراء)؛ لوجود رغبة متنامية في الدول المعاصرة في توزيع السلطة التنفيذية بصورة ربما تقترب من إلغاء نمط "رأس السلطة التنفيذية".
مثال للتوضيح: