مقارنة بين نظام الخلافة وبين الدولة الحديثة ذات المرجعية الإسلامية (2)
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
في ظل دستور مصر 2012م لا يوجد منصب دستوري يسمى مساعد الرئيس ولا حتى نائبه، ولكن يجوز للرئيس أن يعين أحدًا في هذه الوظائف، وهم في هذه الحالة يمثِّلون جزءًا من صلاحيات الرئيس ذاته ويستمدون وجودهم من قرار تعيينه، كما أنه يجوز له أن يقيلهم دون تَقيُّد بإجراءات محددة.
رابعًا: الإسلاميون والفصل بين السلطات:
يوجد خلاف واسع بين الإسلاميين في مدى شرعية إدخال مبدأ الفصل بين السلطات على نظام الإمامة في حالة الاختيار التام؛ وهذا بناءً على الخلاف بينهم في توصيف دور الخليفة كوكيل عن الأمة في القيام بكل فروض الكفايات: هل هو توقيفي أم اجتهادي وأن العبرة هي في وجود مهام الدولة الإسلامية وإن توزعت بين عدد من الوظائف؟
ولكن من المتفق عليه بين الإسلاميين الذين يخوضون العمل السياسي المعاصِر أن المراحل التأسيسية فرصة ذهبية لتأكيد الهوية الإسلامية في الدساتير والنص على لزوم المرجعية الإسلامية لكل من سلطات الدولة الثلاث بالإضافة إلى العمل الأهلي، وعندما يُقبِل الإسلاميون على هذا العمل -وكما حدث في مصر- فإنهم ينتجون دستورًا ملتزمًا بالقواعد الدستورية المتفق عليها في النظام الدستوري، ومن أبرزها: "الفصل بين السلطات".
إن من أهم ما يجب أن نعيه قبل أن نخوض تجربة كهذه أن نعي قوله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) (المائدة:1) ، وأن ما سنعلنه سيكون ملزِمًا لنا؛ وليس مجرد "صورة شكلية" نمرر بها مشروعنا بينما نتحاكم عند النزاع إلى صورة "الإمام"!
ولا يُقبل دينًا ولا عرفًا أن يوكِّل الناس الإسلاميين في كتابة دستور فيضعون شروطًا وضوابط وحدودًا للفصل بين السلطات وفي إعادة توزيع الصلاحيات بين الرئيس ورئيس الوزراء ثم يخرجون على الناس يشرحون هذا الكلام ويتمدحون ما صمموه من نظام متوازن يمنع الظلم والاستبداد ثم يتعاملون "ولو في عقلهم الباطن" بعقلية أن الرئيس "إمام" تجب طاعته في كل الأمور ما لم يأمر بمعصية!
ومن هذه الأمور... أمور تدخل في صلاحيات غيره مما يُطالَب هو بطاعة ذلك الغير فيه فيكون في كثير من الأمور إلى المأمور أقرب منه إلى الإمام، حيث يجب على الرئيس أن يلتزم بما يقرره المجلس التشريعي الذي عند التأمل تجد أنه يرث القسم الأكبر من صلاحيات الإمام مقارنة بالرئيس؛ لأنه هو السلطة التي لا تعلوها سلطة إلا السلطة التأسيسية وإن كانت التنفيذية دائمًا ما تبدو أكثر فاعلية بحكم أنها تنفذ ما تريد في حين تفتقر إليها السلطات الأخرى في تنفيذ إرادتها.
قاعدة: "طاعة ولاة الأمور":
الأصل في ذلك قوله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ) (النساء:59) ، وطاعة أولي الأمر مقيدة بقوله بعدها: ( فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ) (النساء:59) ، كما يقيدها قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( لا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ ) (متفق عليه) .
وقد كانت هذه القواعد الشرعية تطبق في ظل وجود إمام يتولى بصفته وكيلاً عن الأمة في جميع شئونها، فهل سيكون تطبيقها في كل المجالات مع الرئيس في ظل النظام الدستوري؟ ولكي يكون الأمر مستوعبًا سوف نضرب المثال الآتي:
مثال توضيحي للفصل بين السلطات وأثره على مسألة الطاعة:
بيَّـنَّا فيما سبق أن السلطة التأسيسية هي السلطة العليا في الدولة الدستورية، وأنها تمنح صلاحيات لكل السلطات الأخرى، ومنها العمل الأهلي في مقابلة الدولة.
وفي الدساتير العالمية والمصرية ونخص منها دستور 2012م الذي شارك الإسلاميون في إعداده والترويج له وأعلنوا التزامهم بما فيه "بما في ذلك المواد التي اضطروا فيها للموائمة" إلا أن المواد التي تكرِّس للحق في تكوين الجمعيات الأهلية لم تكن من جملة المواد التي تَحفـَّظ الإسلاميون عليها، بل بالعكس كانوا حريصين على إثباتها، وهذا يعني أن حق تكوين الجمعيات الخيرية أصبح في قوة استمداده في نفس درجة سلطة الرئيس والبرلمان مجتمعين إلا أن السلطة التأسيسية كالمعتاد في هذه الأمور أنها تعطي البرلمان الحق في إنشاء قانون ينظم عمل الجمعيات بما لا يتعارض مع الدستور.
ومِن ثَمَّ فسوف أطرح مثالاً يتضمن عدة أسئلة وافتراضات وأجيب عليها منطلقًا من قاعدة: ( المُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) ، والتي تعني التزامنا بهذا الدستور.
س: هل يجوز للبرلمان أن يقيد ذلك الحق الدستوري في إنشاء الجمعيات، ويحصر الحق في إنشاء جمعية إسلامية شاملة في جمعية واحدة؟ (كمثال لسؤال يطرحه البعض على الساحة فعلاً).
ج: بالقطع لا.
س: إذن فهل يجوز للرئيس أن يصدر قرارًا تنفيذيًّا بهذا الأمر؟
ج: لا يجوز؛ لمخالفة ذلك للدستور من جهة وللقانون الصادر عن البرلمان من جهة أخرى، وكلاهما ملزم للرئيس.
س: في حالة تغول البرلمان وإعداده لقانون يتضمن هذا القيد فهل يجوز الطعن عليه دستوريًّا؟
ج: بالقطع نعم.
س: ماذا يجب على المحكمة الدستورية أن تقضي به في ذلك القانون القانون؟
ج: تقضى ببطلانه.
س: ماذا لو طلب الرئيس منها أن تقضي بصحته؟
ج: هذه جريمة يُعاقِب عليها القانون.
س: إذا أصدر الرئيس أو أي مسئول تنفيذي أدنى قرارًا بمنع ترخيص جمعية كهذه، فهل يجوز الطعن عليه أمام القضاء الإداري؟
ج: نعم.
س: وماذا يجب على القضاء الإداري أن يقضي به في هذه الحالة؟
ج: بطلان القرار.
س: وماذا لو امتنعت الجهة التنفيذية عن التنفيذ؟
ج: يجوز مقاضاتها جنائيًّا للامتناع من تنفيذ حكم قضائي.
وبهذا المثال تتضح تمامًا قضية توزيع المهام والصلاحيات في النظام الدستوري، وأن كل مكونات النظام تجب طاعته في أمور، ويجب هو أن يطيع غيره من المؤسسات في أمور أخرى.
ويبقى سؤال آخر في هذا المثال المطروح، وهو: ألا يمكن أن نفتي بوجوب الامتثال لمثل هذه القرارات ديانة وإن كان النظام الدستوري يقتضي ما ذكرناه؟
والجواب: