حب الصحابة وتعظيمهم من عقيدة أهل الإسلام وأصولهم
محمود عبد الحفيظ البرتاوي • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فإن من عقيدة أهل الإسلام وأصولهم حب أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- والذب عنهم، واعتقاد ما ثَبتَ لهم من الفضل والأجر، فإن حبهم دين وإيمان وإحسان وبغضهم كفر ونفاق وطغيان، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- حريصًا على أن يُظهِر ما للصحابة من الفضائل والمزايا ولو تتبعنا ذلك لكثر في ذلك المقال، فقد قال في الأنصار: ( الأَنْصَارُ لاَ يُحِبُّهُمْ إِلا مُؤْمِنٌ وَلاَ يُبْغِضُهُمْ إِلا مُنَافِقٌ، فَمَنْ أَحَبَّهُمْ أَحَبَّهُ اللَّهُ وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ أَبْغَضَهُ اللَّهُ ) (متفق عليه) .
والمهاجرون أفضل من الأنصار فقد جمعوا بين النصرة والهجرة، وفضائل أبي بكر رفيق الغار وعمر الذي فر منه الشيطان وذي النورين عثمان وعلي، وسائر العشرة وأهل بدر وأصحاب بيعة الرضوان وكل الصحابة الأطهار لا تخفى على مَن له عينان.
- فإن الصحابة الكرام هم الذين نقلوا إلينا الإسلام، وقد أثنى الله عليهم في القرآن ورضي عنهم ورضوا عنه، وحثنا على الاستغفار لهم والترحم عليهم: ( وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ) (الحشر:10) .
- بل جعل الله إيمانهم مقياسًا وميزانًا لإيمان الناس من بعدهم فقال: ( فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ ) (البقرة:137) .
- قال عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: "إِنَّ اللَّهَ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ فَوَجَدَ قَلْبَ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ فَاصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ فَابْتَعَثَهُ بِرِسَالَتِهِ، ثُمَّ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ بَعْدَ قَلْبِ مُحَمَّدٍ فَوَجَدَ قُلُوبَ أَصْحَابِهِ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ فَجَعَلَهُمْ وُزَرَاءَ نَبِيِّهِ يُقَاتِلُونَ عَلَى دِينِهِ، فَمَا رَأَى الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ، وَمَا رَأَوْا سَيِّئًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ سَيِّئٌ" (أخرجه الإمام أحمد في مسنده، وحسنه الألباني موقوفًا على ابن مسعود -رضي الله عنه-) .
- وقال الخطيب البغدادي -رحمه الله-: "عَلَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَرِدْ مِنَ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- وَرَسُولِهِ فِيهِمْ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ لأَوْجَبَتِ الْحَالُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا مِنَ الْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ وَالنُّصْرَةِ, وَبَذْلِ الْمُهَجِ وَالأَمْوَالِ, وَقَتْلِ الآبَاءِ وَالأَوْلادِ, وَالْمُنَاصَحَةِ فِي الدِّينِ وَقُوَّةِ الإِيمَانِ وَالْيَقِينِ - الْقَطْعَ عَلَى عَدَالَتِهِمْ وَالاعْتِقَادَ لِنَزَاهَتِهِمْ, وَأَنَّهُمْ أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ الْمُعَدَّلِينَ وَالْمُزَكَّيْنَ الَّذِينَ يَجِيئُونَ مِنْ بَعْدِهِمْ أَبَدَ الآبِدِينَ. هَذَا مَذْهَبُ كَافَّةِ الْعُلَمَاءِ وَمَنْ يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ مِنَ الْفُقَهَاءِ" (الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي) .
- وقال ابن القيم -رحمه الله- في ميميته الشهيرة:
أولـئـك أصـحاب الـنـبـي وحـزبِه ولولاهمُ ما كان في الأرض مسلمُ
ولـولاهــم كــادت تـمـيـد بأهـلها ولـكـن رواســيـهـا وأوتـادُهـا هـمُ
ولـولاهـم كـانـت ظـلامًا بـأهـلـها ولـكـن هــم فـيـهـا بـدور وأنـجــم
- ونهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن سبهم، وأخبر بأن الواقع فيهم لا يقبل الله منه صَرفًا ولا عدلاً فقال: ( لا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، لا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلا نَصِيفَهُ ) (متفق عليه) ، وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( مَنْ سَبَّ أَصْحَابِي فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلا عَدْلاً ) (رواه الطبراني، وحسنه الألباني) . العدل: الفرائض، والصَرف: التطوع.
- ولقد درج أئمة أهل السنة والجماعة على ذكر الصحابة -رضي الله عنهم- في كتب العقيدة لمَّا ظهر رفض الصحابة والطعن فيهم، فقد يُذكر في بعض كتب العقيدة عند أهل السنة بعضُ الأحكام التي جاءت في القرآن أو ثبتت بها السنة؛ للتنبيه على مخالفة بعض فرق الضلال في تلك الأحكام كغسل الرِّجلين المذكور في القرآن والمبيَّن في السنة من فعله -صلى الله عليه وسلم- وقوله، وكالمسح على الخُفين الذي تواترت به السنة.
ولأن من أصول الإيمان ومعاقد الإسلام المجمع عليها: الإيمان بما جاء عن الله -عز وجل- وصح عن نبيه -صلى الله عليه وسلم- إيمانًا مجملاً ومفصَّلاً بما بلغ المسلم منها؛ فلذا لا تراهم نصوا على الإيمان بشيء من فروع تلك الأصول إلا بعد ظهور من يكذب بها، فكان كلما خرجت طائفة وفرقة كذبت بشيء مما جاء عن الله -جلَّ وعلا- أو عن رسوله -صلى الله عليه وسلم- نص أئمة الإسلام -مقابل ذلك- على الإيمان بذلك الأمر خصوصًا، والإيمان عمومًا بكل ما جاء، لخلل هذا الإيمان الكلي بعدم الإيمان بجزء من فروعه.
فليس بغريب أن يُذكر في مباحث العقيدة بيان فضل الصحابة وعلو قدرهم؛ لأنهم خير القرون المفضَّلة؛ "ولأن الكتاب والسنة هما الينبوع الصافي الذي تُستمد منه العقيدة، ويُستمد منه كل خير وهدى، ولم يعرف الناس الكتاب والسنة ولَم يصلا إليهم إلا عن طريق الصحابة، فهم الواسطة بين غيرهم وبين رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولا يَستنكرُ ذكرَ الصحابة في كتب العقائد إلا مَن امتلأ قلبُه بأمراض الشبهات، وشوى قلبَه الحقدُ على خير هذه الأمة التي هي خير الأمَم" (بتصرف من "الانتصار لأهل السنة والحديث" للشيخ عبد المحسن العباد) .
عقيدة أئمة السلف في الصحابة وبعض أقوالهم: