حب الصحابة وتعظيمهم من عقيدة أهل الإسلام وأصولهم
محمود عبد الحفيظ البرتاوي • المنهج السلفي
مَن مِن أئمة الإسلام وعلماء الملة -وقد مر بنا نقول عنهم وشيء من أقوالهم- اجترأ على مخالفة النصوص البينات الواضحات في الكتاب والسنة -وإجماع الأمة- في عدالة الصحابة ووجوب تعظيمهم وزعم أن الخلاف مع الشيعة الطاعنين في الصحابة والسابين لهم -بل يكفرون جمهورهم إلا نفرًا قيلاً منهم- ويجعلونهم شر أهل الملل كما نَقل شيخ الإسلام ابن تيمية عن الشعبي قوله: "وفضلت اليهود والنصارى على الرافضة بخصلتين: سئلت اليهود: من خير أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب موسى، وسئلت النصارى: من خير أهل ملتكم؟ قالوا: حواري عيسى، وسئلت الرافضة من شر أهل ملتكم؟ قالوا أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم-! أمروا بالاستغفار لهم فسبوهم!" - أنه خلاف ليس عقديًا، وأنه خلاف سياسي أو تاريخي، وأنه لا يفسد للود قضية، وأنه خارج أصول الدين وليس من مسائل العقيدة؟!
وللأسف قد أعرض الأستاذ "حسن البنا" -رحمه الله- عن إجابة سؤال وجهه له تلامذته حيث سألوه عن الفرْق بيْن الشيعة والسنة عند زيارة أحد أئمتهم بالمركز العام فقال غاضبًا: "ديننا واحد وإلهنا واحد ورسولنا واحد وقبلتنا واحدة وسنتنا واحدة!"، كما حكى عنه الأستاذ التلمساني.
ولقد أساء عندما اقتصر عند تناوله لقضية الخلافة والإمامة والخلاف بين الصحابة على الإمساك عما شجر بين الصحابة من خلاف دون نص على إمامة الخلفاء الراشدين الأربعة؛ مما يوهم أن الخلاف بين أهل السنة والشيعة خلاف سياسي مضى زمنه ومقتضياته والسكوت عنه أولى!
وقد يظن البعض أن هذا هو مقصود السلف في قولهم بالإمساك عما شجر بين الصحابة من خلاف وهذا باطل بلا شك، فإن الإمساك المقصود عند السلف هو عن وقائع الفتنة وتفاصيلها بعد مقتل عثمان -رضي الله عنه-، وليس عن الإقرار بخلافة أبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي -رضي الله عنهم-، فإن معرفة مراتب الصحابة -رضي الله عنهم- من الدين, قال ابن عمر -رضي الله عنهما-: "كُنَّا نُخَيِّرُ بَيْنَ النَّاسِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَنُخَيِّرُ أَبَا بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ، ثُمَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ" (رواه البخاري) ، يعني يعتقدون أن خير الناس أبو بكر ثم عمر ثم عثمان، ويؤمن أهل السنة أن أفضل الصحابة أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله عنهم, وتريبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "ومن طعن في خلافة أحد منهم فهو أضل من حمار أهل".
حكم سب الصحابة ومَن يسبهم:
سب الصحابة كبيرة من أعظم الكبائر؛ لأنه يسب من مدحهم الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، والرافضة الذين يسبون الصحابة -رضي الله عنهم- ويكفرونهم خاصة أبا بكر وعمر ويعتقدون أن أول الخلفاء علي وهم الإمامية الاثنى عشرية الصحيح أن أقوالهم بدعية كفرية، ولكن لكثرة الجهل وانتشار البدع وعدم تميز أصحاب العقائد الكفرية عن غيرهم من أهل البدع غير الكفرة فلا يمكن إطلاق الكفر على عمومهم وعوامهم قبل إقامة الحجة على أعيانهم، بخلاف غلاة الرافضة الذين يعتقدون الإلهية في غير الله كالعلويين في علي، ومن يعتقدون خطأ الرسالة وأن الأمين خان فنزل على محمد بدلاً من علي، ومن يعتقدون تحريف القرآن ومن يرفعون الأئمة والأولياء فوق الأنبياء والمرسلين فهؤلاء كفار نوعًا وعينًا (انتهى بتصرف من فقه الخلاف لـ د.ياسر برهامي) .
ما الواجب على كل مسلم تجاه الصحابة؟
الواجب على كل مسلم هو حب الصحابة -رضي الله عنهم- وتوليهم ومعرفة فضلهم، خصوصًا أفضلهم: أبا بكر وعمر، ثم عثمان، ثم عليًّا -رضي الله عنهم-، وهذا الترتيب لابد من معرفته، فترتيب هؤلاء في الفضل هو إجماع أهل السنة، ونص عليُّ بن أبي طالب -رضي الله عنه- على ترتيب أبي بكر ثم عمر -رضي الله عنهما-، حيث قال لابنه محمد بن الحنفية لما سأله: "أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؟ قَالَ: أَبُو بَكْرٍ، قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ عُمَرُ، وَخَشِيتُ أَنْ يَقُولَ عُثْمَانُ، قُلْتُ: ثُمَّ أَنْتَ؟ قَالَ: مَا أَنَا إِلا رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ" (رواه البخاري) .
فلا تجوز مخالفة هذا الترتيب، وهو تفضيل أبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي -رضي الله عنهم-، كما كان الصحابة على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- يفعلون، ثم باقي العشرة المبشرين بالجنة، وهم: طلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح -رضي الله عنهم-.
والستة أهل الشورى الذين كان عمر -رضي الله عنهم- قد اختارهم، وجعل الخلافة فيهم يختارون منهم واحدًا، وهم: عثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنهم-، هؤلاء أفضل الصحابة بعد النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهم الذين توفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو عنهم راضٍ، وأهل بدر وأهل بيعة الرضوان ومن أنفق من قبل الفتح وقاتل أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا، وكذا أزواجه -صلى الله عليه وسلم- ورضي الله عنهن أجمعين، وأفضلهن خديجة ثم عائشة -رضي الله عنهما-.
وكذا حب آل البيت فرضٌ وواجب، كما أوصانا النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: ( أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ) (رواه أحمد ومسلم) ، وأهل السنة يجمعون بين حب الصحابة وحب أهل البيت، ولا يجعلون هناك تناقضًا بين حب الصحابة وحب أهل البيت كما يفعل الرافضة" (انتهى بتصرف من المنة شرح اعتقاد أهل السنة لـ د.ياسر برهامي) .
رضي الله عن الصحابة أجمعين.
اللهم احشرنا مع نبيك وأهل بيته المطهرين، وصحابته الغر الميامين، اللهم آمين.