شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

حب الصحابة وتعظيمهم من عقيدة أهل الإسلام وأصولهم

محمود عبد الحفيظ البرتاوي • المنهج السلفي

وَعَامَّةُ الْمَنْقُولِ الثَّابِتِ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ هَذَا الْبَابِ، وَمَا قُدِّرَ مِنْ هَذِهِ الأُمُورِ ذَنْبًا مُحَقَّقًا فَإِنَّ ذَلِكَ لا يَقْدَحُ فِيمَا عُلِمَ مِنْ فَضَائِلِهِمْ وَسَوَابِقِهِمْ وَكَوْنِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ; لأَنَّ الذَّنْبَ الْمُحَقَّقَ يَرْتَفِعُ عِقَابُهُ فِي الآخِرَةِ بِأَسْبَابٍ مُتَعَدِّدَةٍ، مِنْهَا: التَّوْبَةُ الْمَاحِيَةُ... وَمِنْهَا: الْحَسَنَاتُ الْمَاحِيَةُ لِلذُّنُوبِ; فَإِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ، وَقَدْ قَالَ -تَعَالَى-: ( إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ) (النِّسَاءِ:31) ، وَمِنْهَا: الْمَصَائِبُ الْمُكَفِّرَةُ. وَمِنْهَا: دُعَاءُ الْمُؤْمِنِينَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، وَشَفَاعَةُ نَبِيِّهِمْ، فَمَا مِنْ سَبَبٍ يَسْقُطُ بِهِ الذَّمُّ وَالْعِقَابُ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الأُمَّةِ إِلا وَالصَّحَابَةُ أَحَقُّ بِذَلِكَ، فَهُمْ أَحَقُّ بِكُلِّ مَدْحٍ وَنَفْيِ كُلِّ ذَمٍّ مِمَّنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الأُمَّةِ" (منهاج السنة النبوية) .

فلذلك كان الواقع فيهم كان على خطر عظيم، وكان هذا من علامات زيغه وانحرافه فلم يجترئ على الصحابة أحد إلا وله خبيئة سوء، فالصحابة منهم تلقت الأمة كتاب الله -عز وجل- وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وهذا يعني أن الطعن في عدالتهم وتجريحهم يزلزل بناء الإسلام ويقوِّض دعائم الشريعة، ويشكك في صحة القرآن العظيم، ويضيع الثقة بسنة النبي -صلى الله عليه وسلم-.

ومن هنا جاءت أقوال أئمة أهل السنة والجماعة صريحة في بيان حكم من ينتقصهم:

- قال الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله-: "إِذَا رَأَيْتَ رَجُلاً يَذْكُرُ أَحَدًا مِنَ الصَّحَابَةِ بِسُوءٍ فَاتَّهِمْهُ عَلَى الإِسْلامِ" (البداية والنهاية لابن كثير) .

- وسئل الإمام النسائي -رحمه الله- عن معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنهما- فقال: "إنما الإسلام كدارٍ لها بابٌ، فبابُ الإسلام الصحابة، فمن آذى الصحابةَ إنما أرادَ الإسلام، كمن نَقرَ البابَ إنما يريدُ دخولَ الدار، قال: فمن أراد معاويةَ -رضي الله عنه- فإنما أراد الصحابة" (تهذيب الكمال/ ترجمة الإمام النسائي، وأخرجه الحافظ ابن عساكر في تاريخه) .

- قال الإمام أبو زُرْعة الرازي -رحمه الله-: "إِذَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ يَنْتَقِصُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ- فَاعْلَمْ أَنَّهُ زِنْدِيقٌ, وَذَلِكَ أَنَّ الرَّسُولَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ- عِنْدَنَا حَقٌّ, وَالْقُرْآنَ حَقٌّ, وَإِنَّمَا أَدَّى إِلَيْنَا هَذَا الْقُرْآنَ وَالسُّنَنَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ-, وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ أَنْ يُجَرِّحُوا شُهُودَنَا لِيُبْطِلُوا الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ, وَالْجَرْحُ بِهِمْ أَوْلَى وَهُمْ زَنَادِقَةٌ" (رواه الخطيب في الكفاية والحافظ ابن حجر في الإصابة) .

- قال الإمام السرخسي -رحمه الله-: "الشريعة إِنَّمَا بلغتنا بنقلهم فَمن طعن فيهم فَهُوَ ملحد منابذ لِلإِسْلامِ دواؤه السَّيْف إِن لم يتب" (أصول السرخسي) .

- وقال الإمام مالك -رحمه الله- فيمن يسب الصحابة: "إنما هؤلاء أقوام أرادوا القدح في النبي -صلى الله عليه وسلم- فلم يمكنهم ذلك، فقدحوا في أصحابه حتى يقال: رجل سوء ولو كان رجلاً صالحا لكان أصحابه صالحون!" (الصارم المسلول لشيخ الإسلام ابن تيمية) .

- وقال الشوكاني -رحمه الله-: "وجناب الصحابة أَمْرٌ عَظِيمٌ فَمَنِ انْتَهَكَ أَعْرَاضَ بَعْضِهِمْ فَقَدْ وَقَعَ فِي هُوَّةٍ لا يَنْجُو مِنْهَا سَالِمًا" (إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول) .

فدلت هذه النصوص على مكانة الصحابة وفضلهم وأن من أمارات الإيمان وعلاماته: سلامة الصدور والألسنة تجاههم، وأن كل من انتقصهم أو رضي بانتقاصهم فهو من الضالين والمغرضين، والصحابة كلهم عدول والقدح فيهم لا يضرهم، بل يجري الله الحسنات والثواب لهم كما قالت عائشة -رضي الله عنها-، فعن جابر -رضي الله عنه- قال: قيل لعائشة: إن أناسًا يتناولون أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- حتى أبا بكر وعمر فقالت: "ما تعجبون من هذا؟ انقطع عنهم العمل فأحب الله أن لا ينقطع عنهم الأجر" (جامع الأصول لابن الأثير) .

ولقد سمعنا من الأستاذ "صبحي صالح" -القيادي بجماعة الإخوان المسلمين- كلامًا لا ينتهي منه العجب حيث قال ما نصه: "الشيعة مذهب إسلامي معتبر وهو من مذاهب أهل السنة... لكن الذي يشتم الصحابة فهذا تاريخ؛ لأن الصحابة مش من الاعتقاد، من المقدسات من المصونات من المحرمات، لكن مش من العقائد الذي لم يختلف معي في العقيدة فليس هناك مشكلة ما دون ذلك يختلف ويتفق وأنا يجب أن أقبل وأتحمل !".

فلا ندري هل يمكن أن يصل الحال بالبعض إلى درجة أنه لا يعي ما يقول؟!

هل يجب علينا أن نتحمل وأن نقبل بشتم الصحابة وسبهم "حتى مع التسليم جدلاً أن الأمر لا تعلق له بالاعتقاد"؟!

وهل كان الأمر سيظل على ما هو عليه إذا كان من يُسب هو الأستاذ "حسن البنا" أو الآباء والأمهات؟!

كيف يمكن أن تطاوع امرئ نفسه أن يهوِّن من شأن أعراض أمهات المؤمنين وصحابة النبي -صلى الله عليه وسلم- وحرماتهم؟! فهل يصدر ذلك إلا من جاهل أو شانئ جاحد لفضل الصحابة ومكانتهم؟!

الصفحة السابقة الصفحة التالية