عقيدة السلف في الصفات (شرح المنة 6)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
عقيدة السلف في الصفات
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،
أكثر الذين وقع منهم في التاريخ الإسلامي ترويج لعقيدة الجهمية بين الناس على أنها عقيدة أهل السنة، هم أئمةٌ أشاعرة لهم منزلة كبيرة في الفقه لكن علمهم بعقيدة السلف والأحاديث قليل، فقـدَّموا علم الكلام والتأويلات المنحرفة التي فيه إلى الناس على أنها منهج أهل السنة ، لأن أبا الحسن الأشعري هو الذي قاوم المعتزلة ورد عليهم، لكن تأثر كثيرٌ جداً من تلامذته ومن انتسب إليه بعقيدة هؤلاء المعتزلة، ولم يَسْلَمُوا من التخلص منها بالكلية، وهؤلاء الأئمة لهم كتب جيدة في الفقه والأصول ونحو ذلك، ولهم كلمة مسموعة، وهم مشهورون كعلماءَ في المذاهب التي ينتسبون إليها، مذاهب الأئمة الأربعة، لكنهم فتحوا باباً خطيراً في التأويل، وصار الناس بسببهم يقولون عن هذه العقيدة -عقيدة تأويل الأسماء والصفات- إنها عقيدة أهل السنة ، معتقدين أن الأشاعرة هم أهل السنة، وليسوا كذلك، لأن الأشاعرة فرقة فيها انحراف بلا شك، وإن كانوا من أهل القبلة، فليسوا كفاراً، ولكنْ فيهم انحراف في فهم الاعتقاد، خاصةً في قضية الأسماء والصفات كما سبق بيانه.
لذلك قضية تأويل الأسماء والصفات أصبحت علامة مميزة تميز أهل السنة -على طريقة السلف- عن أهل البدع الذين ينتسب بعضهم إلى السنة وليسوا منها، وهم من يُعْرَفُون بالخَلَف، وهم كما قلنا لهم منزلة كبيرة في الفقه والأصول لكنهم أدخلوا -لعدم معرفتهم بطريقة السلف وضعف علمهم بالحديث- طريقة أهل البدع في العقيدة .
و قال بعض المتأخرين: «إن طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم»، كأنه يقول إن المسلمين لا يستطيعون الرد على الكفار إلا بانتهاج طريقة الخلف، وهي التأويل، وطريقة السلف أسلم حتى لا نخوض في علم الكلام.
ولا شك أن طريقة السلف أعلم وأحكم وأسلم، والعبارة السابقة التي قالوها غير صحيحة ولا تليق، إذ لا يليق أن نقول إن السلف -رضوان الله عليهم- أقل علماً من الخلف، فهذا الكلام باطل قطعاً، بل أعلم الأمة بعد نبيها -صلى الله عليه وسلم- هم أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ثم التابعون، ثم أتباع التابعين، وهم أفضل في العلم وفي العمل وفي السلوك، ولذلك فقولنا: «السلفية منهج» معناها: أن نلتزم بطريقة السلف في كل هذا: العلم والعمل والسلوك. ومَنِ السلف؟ هم أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) . ونحن نجزم أنهم لم يستعملوا التأويل، ولم يقل أحد منهم إن استوى بمعنى استولى، ولا أن اليد بمعنى القدرة، ولا أنه لا يجوز أن نقول: إن الله ينزل، وأن الذي ينزل هو أمر ربنا أو ملك من ملائكته إذا بقي ثلث الليل الآخر إلى السماء الدنيا، ولا أنه لا يجوز أن نقول إن الله يجئ يوم القيامة، لم يقولوا بذلك أبداً، بل طريقة السلف: أن نؤمن بكل ما وصف الله به نفسه، والسلف قد أجمعوا على ذلك في العقيدة، ولم ينقل عن أحد منهم التأويل، فكيف يقال بعد ذلك: إن طريقة الخلف أعلم؟! هذا لا يمكن، بل طريقة السلف أسلم وأعلم وأحكم لأنهم أعلم الأمة.
ويمتنع أن يكون الصحابة -رضي الله عنهم- قد جهلوا أموراً علمها من بعدهم، إلا أموراً ليست من الدين، فهم الذين نقلوا لنا الدين عن الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ونحن نجزم أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يَقل بهذه التـأويلات والتحريفـات التي قـال بها الخلق، وفسروا بها النصوص، فالرسـول -صلى الله عليه وسلم- لم يفسِّر اليد بالقـدرة ولا بالنعمة، ولا فسَّر الاستواء بالاستيلاء، ولا أنكر لفظ « فوق » بل هو -صلى الله عليه وسلم- الذي قال ذلك، ولا أنكر أن الله -عز وجل- في السماء، كما يزعمون أن من يقول: « إن الله في السماء » فهو كافر ، فإذا كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- سأل الجارية فقال لها: أَيْنَ اللهُ ؟، قَالَتْ : فِي السَّمَاءِ، قَالَ : مَنْ أَنَا ؟، قَالَتْ : أَنْتَ رَسُولُ اللهِ ، قَالَ: أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ) ، وشهد لها الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالإيمان، والخلف المتأخرون يقولون إن الذي يقول إن الله في السماء فهو كافر.
فإذا سألتهم: ولماذا يصير كافراً من يقول : إن الله في السماء؟!! يقولون : «لأن هذا معناه أن السماء تحيط بالله -سبحانه وتعالى- وتحويه» ، وهذا كلام عجيب، فهل قولنا «في السماء» معناه أنها تحويه -سبحانه وتعالى-؟!! فإن السلف لم يفهموها هكذا، بل في السماء يعني في العلو، والله -عز وجل- له صفة العلو، كما يقولون: فلانٌ في العِزِّ والغِنَى عَلَى أعْلى المراتب ، فهل الغِنَى يحيط بهذا الغَنِيّ؟! جهل عظيم أن نفهم الكلام هكذا، بل معناه أن صفته أنه عزيزٌ وغَنِيّ.
فمعنى أن الله -عز وجل- في السماء يعني في العلو، يعني أنه -سبحانه وتعالى- العَلِيّ، وليس أن السماء المخلوقة تحيط بالله -سبحانه وتعالى-، فكما قال -تعالى-: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُون) (الزمر : 67)، فمَنْ ـ بعد ذلك ـ يمكن أن يظن أن السماء تحيط بالله -عز وجل- أو تُقِلُّه « تحمله » ، أو تظله « فوقه » ، بل هو -عز وجل- فوق العرش ، وفوق السماء المخلوقة ، هو في السماء يعني في العلو، فالسماء هنا مصدر، أو أنها السماء المخلوقة لكن الرب -سبحانه- فوقها ، فتكون « في » في قوله -تعالى-: (فِي السَّمَاءِ) (الملك : 16) ، بمعنى « على أو فوق » ، كما قال -سبحانه وتعالى-: (فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ) (التوبة : 2) ، فهل الأمر كان أن يسيروا داخل الأرض ، بل في الأرض : أي فوق الأرض ، وقال -تعالى-: (وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ) ( طه : 71 ) ، فهل صلبهم داخل النخل ؟ بل على جذوع النخل .
