شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

عقيدة السلف في الصفات (شرح المنة 6)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

الغرض المقصود أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يقل بهذه التأويلات ولم يقل بها الصحابة ولا التابعون، ولا تابعو التابعين، وإنما ظهر ذلك فيما بعد، في أهل البدع والضلال.

لذلك نقول: إن طريقة السلف هي الأعلم والأحكم، وعند التأمل نجد هذه الشبهات العقلية عند أهل البدع شبهات باطلة، نتيجة جهلهم العظيم بالأحاديث النبوية الصحيحة، وجهلهم بتفسيرات السلف -رضي الله عنهم- وجهلهم باللغة العربية ، فعندما يقولون : « استوى بمعنى استولى » هل هذا يوافق اللغة العربية؟! لا ، فهذا الكلام باطل لغةً، لا يُستَعمل الفعل استوى بمعنى استولى، كما أن الفعل استولى يقتضي وجود منازعة، فقولهم في : (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) (طه : 5) بمعنى استولى، معناه أنه كان هناك أحد ينازع الله -سبحانه وتعالى-، ولم يكن العرش في ملك الله ، ثم استولى الرحمن عليه ، خاصةً أنه -عز وجل- قال : (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) (الأعراف : 54)، ومعروف أن العرش مخلوق قبل خلق السموات ، فهل كان أحد يملكه قبل خلق السموات والأرض ثم استولى الله -عز وجل- عليه ؟!! نعوذ بالله -تعالى- من القول بذلك .

إذاً فماذا نقول في قوله -تعالى-: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) ؟ نقول : إن الاستواء صفة فعل ، فبعد خلق السموات والأرض استوى الرب -عز وجل- على العرش ، هذا لأن العرش عظيم وكريم ، فكرَّمَه الله -تعالى- بأن خصه بالاستواء عليه ، وهو معنى الارتفاع والصعود والعلو ، ولذلك قال مجاهد : « علا على العرش » ، ولم يزل -سبحانه وتعالى- هو العلي العظيم -عز وجل- ولكن خصَّ العرش بفعل هو فعل الاستواء ، كما يليق بجلاله -عز وجل- ، والاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة ، كما قال الإمام مالك ـ رحمه الله ـ .

التأويل

عندما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- عبارته : « نؤمن بكل ما وصف الله به نفسه ، ووصفه به رسوله -صلى الله عليه وسلم-، من غير تعطيل ولا تحريف ولا تكييف ولا تمثيل » ، لماذا لم يقل : « من غير تأويل » ، بدلاً من قوله : « من غير تحريف » ؟! ولماذا اختار لفظ التحريف ؟!

لأن هذا اللفظ ـ التحريف ـ هو الذي ورد ذمه في القرآن كما في قوله-تعالى-: (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ) (المائدة : 13) وهذا فعل أهل الكتاب ، وهو أليَق ، بخلاف التأويل أو الذي سموه تأويلاً ، لأنه يُستعمل لغةً وشرعاً بمعنى التفسير .

فالتفسير يسمى أحياناً التأويل ، كما يقال : « القول في تأويل قوله تعالى كذا » ، وفي بعض الروايات أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لابن عباس -رضي الله عنهما- : (اللهمَّ فَقِّهُّ فِي الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ) ، فالتأويل في هذا الحديث هو التفسير ، فالرسول -صلى الله عليه وسلم- يدعو لابن عباس أن يعلمه الله تفسير القرآن .

فالخلف سموا ما فعلوه تأويلاً ، لكي يقتربوا من الألفاظ الشرعية ، لكن ما فعلوه ليس بتأويل شرعي ، بل هو تأويل مذموم ، ولذلك أسماه شيخ الإسلام « تحريفاً ».

والتأويل أيضاً له معنى آخر مذكور في قوله -تعالى-: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ) (آل عمران : 7)، وفي قوله -تعالى-: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) قراءتان :

القراءة الأولى المشهورة : هي الوقف اللازم على لفظ الجلالة : (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ) ، ثم نبدأ (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) .

« التأويل » هنا لا يصح أن يكون بمعنى التفسير ، لأن مفهوم ذلك حينئذ أن الراسخين في العلم لا يعلمون التفسير ، فهل هناك آيات لا يعلم تفسيرها أحد ؟ الجواب : لا ، لأن الله -تعالى- قال : (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ) (ص : 29).

فنحن مأمورون بتدبر جميع آيات القرآن ، ولذلك نقول : إنه ليست هناك آيات بلا تفسير ، أو لا يُعْرَف تفسيرها ، بل كل القرآن يمكن أن يعلمه الناس ، ولذلك حتى لو توقف بعض الصحابة أو غيرهم عن التفسير في بعض الآيات ـ كما هو منقول عن الخلفاء الأربعة ، وإن كانت الأسانيد غير ثابتة ـ كما ورد عن علي -رضي الله عنه- أنه قال في الحروف المقطعة في أوائل السور مثل: (الم) ونحو ذلك يقول : « الله أعلم بتفسيره » ، ولم يتكلم فيه ، فنقول : نعم ، من الممكن أن يتوقف واحدٌ ويقول : أنا لا أعلم تفسيرها ، لكن غيره يعلم ، ولا يلزم من كونه أعلم من غيره مطلقاً أنه يعلم كل شيء ، كما قال أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- وهو أعلم الأمة بلا شك : « أَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي وَأَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي إِذَا قُلْتُ فِي كِتَابِ اللهِ مَا لا أَعْلَمُ »، لكن ابن عباس -رضي الله عنهما- عندما تكلم عن هذه الحروف، قال في قوله -تعالى-: (الم) : « أَنَا اللهُ أَعْلَمُ » ، يعني أن كل حرف منها يدل على اسم من أسماء الله أو فعل من أفعاله أو صفة من صفاته ومثل (الر) يقول: « أنا الله أرى »، وهذا موجود في لغة العرب أنهم يكتفون بحرف يُغني عن الكلمة ، كقول الشاعر :

قلنا لها قفي قالت لنا قاف

لا تحسبي أنَّا نسينا الإيجاف

يعني بقوله : « قالت : قاف » أنها قالت : « قد وقفتُ » ، فدلت بإظهار القاف من « وقفتُ » على مرادها من تمام الكلمة التي هي « وقفتُ » ، وهذا أقرب الأقوال ، والله أعلى وأعلم .

الصفحة السابقة الصفحة التالية