شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

عقيدة السلف في الصفات (شرح المنة 6)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

القراءة الثانية : وكان يقرأ بها ابن عباس -رضي الله عنهما- ، كان يقرأ : (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) ، بلا وقف ، يعني أن الراسخين في العلم يعلمون تأويله ، فهل يصح أن نقول إنها تُحمَل على معرفة الأمور الغيبية؟! قطعاً لا يصح، لأن الراسخين في العلم لا يعلمون وقت قيام الساعة ، ولا يعلمون كيفية الغيبيات ، ولا يعلمون كيفية صفات الرب -تعالى- قطعاً ، فقراءة العطف هذه وقول ابن عباس -رضي الله عنهما- : « أنا من الذين يعلمون تأويله » المقصود بها التفسير ، وهو معرفة المعنى دون الكيفية ، فالراسخون في العلم يعلمون تأويله أي تفسير القرآن دون أن يعلموا حقيقة الغيبيات ، يفهمون المعاني ولا يعرفون الكيفية ، فهم يفهمون الفرق بين الحور العين ، والفاكهة مما يتخيرون ، ولحم الطير مما يشتهون ، والماء المسكوب ، والخمر اللذة للشاربين ، نعرف معاني الكلمات ، ولا نعرف كيفية هذه الأشياء ، فنحن نعلم الفرق بين هذه الأشياء وبين الماء الحميم الذي يُسْقَاهُ الكفار فيُقَطِّع أمعاءهم ، ولا نعرف كيفية الماء الحميم .

لذلك نقول : من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ، فمعنى أننا لا نُكَيِّف صـفات الـرب -سبحانه وتعالى- أي لا نعرف حقيقتها ولا كيفيتها ، ومعرفة الحقيقة معناها المعرفة التفصيلية الدقيقة الكاملة ، قال الله -عز وجل- : (وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا) (طه : 110).

ولذلك نقول لمن يتخيل كيفية معينة لصفات الرب جل وعلا : اعلم أن الرب ليس كذلك ، (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ) ، لا يعلم كيفية صفات الرب إلا الله -عز وجل- ، حتى أهل الإيمان عندما يرون الله يوم القيامة ، لن يحيطوا به علماً ، ولن يعرفوا كيفية صفاته -عز وجل- ، سيطَّلِعون على أمور أكثر ، ويعرفون ربهم أكثر ، ويحبون الله أكثر ، ولكن من غير أن يحيطوا به علماً ، لأن الله -عز وجل- هو العلي الكبير ، ولذلك في إثبات رؤية الله يوم القيامة ، يقول الأئمة : «من غير إحاطة ولا كيفية» ، لأنه أكبر من أن يحيط به بصرُ خلقه ، حتى إن أبصار المؤمنين في الجنة لا تحيط به ولا بكيفيته ، فنحن ننظر للسماء ونراها ولا نحيط بها ، أين آخرها ؟! لا نعلم ، لأنها كبيرة جداً بالنسبة لنا ، فالخلق كله صغير جداً بالنسبة لعظمة الله ، فالله أكبر من كل شيء ، فلا نقول : « هل هناك اتصال أشعة تنعكس على الحدقة الإنسانية أم كيف نراه ؟ » ، لا نتكلم في الكيفية ، هناك كيفية لا نعلمها ، فكيفية الرؤية مجهولة وكل صفات الرب -سبحانه وتعالى- الكيف فيها مجهول ، فكلمة الإمام مالك ـ رحمه الله ـ ، : « الاستواء معلوم ، والكيف مجهول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة » هذه الكلمة نطبقها في كل أسماء الله وصفاته .

وللتأويل معنى ثالث اصطلاحي وهو المقصود في هذا الباب وهو صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى محتمل مرجوح لدليل يقترن به ، وما كان منه بلا دليل فهو المذموم شرعاً كمن يُؤوِّل (اسْتَوَى) بـاستولى ، واليد بالقدرة ، والرحمة بإرادة الخير أو إرادة الثواب ، وهذا هو تحريف المعنى الذي سبق أن بَينَّاه .

وقد أجمع السلف على الكف عن هذا التأويل ، ولم يُفسروا أحاديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بهذه التأويلات البعيدة ، بل قالوا : أَمِرُّوها كما جاءت ، أي دالةً على معانيها اللائقة بجلال الله -عز وجل- والإقرار بجهل كيفيتها ، لذلك نقول « بغير تكييف » ، أي لا نعتقد كيفية معينة لصفات الله ، مع أن لها كيفية ، لكن هذه الكيفية مجهولة ، فنفي الكيفية هنا في قولنا : « الكيف مجهول » ، يعني نفي معرفتنا للكيفية ، أما نفي التشبيه والتمثيل فهو على عمومه ، لا يوجد مثيلٌ لله -عز وجل-: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الشورى : 11)، (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) (الإخلاص : 4).

ولذلك اتفق السلف على ذم الفلسفة وعلم الكلام ، وأنها ليست مصدراً لعلم العقيدة، ولهذا كانت بدعة الجهمية بنفي الأسماء والصفات وتعطيلها ، وبدعة المعتزلة في نفي الصفات من شر البدع .

الصفحة السابقة