شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

عقيدة السلف في الصفات (شرح المنة 6)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

الغرض المقصود أن قراءة (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ) (آل عمران : 7) بالوقف اللازم على لفظ الجلالة ، لا يصح حملها على التفسير ، بل نقول : إن التأويل هنا له معنى آخر ، وهو ما يؤول إليه الكلام في حاله الثاني ، أي عاقبته وحقيقته التي ينتهي إليها ، فالكلام قد يكون خبراً ، أو يكون أمراً ، أو نهياً فالخبر كالإخبار بقيام الساعة ، وأهوالها والصُور وتكوير الشمس ونحو ذلك من أهوال القيامة ، كما قال الله -تعالى-: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ) (الأعراف : 53).

ومعنى التأويل في الخبر وقوع المُخْبَر به ، فعندما يحدث المُخْبَر به ويقع يقال : هذا تأويل الكلام السابق ، كما قال يوسف -عليه السلام- لأبيه عندما سجد له إخوته : (يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا) (يوسف : 100)، هذه الرؤيا كانت متضمنة سجود إخوته ، مع أنه رأى الشمس والقمر والكواكب الأحد عشر ، لكن كان معناها أن إخوته سيسجدون له والشمس والقمر أبوه وأمه ، لذلك قال له أبوه : (يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ) (يوسف : 5)، حتى لا يفهموا أنهم هم الأحد عشر كوكباً ، وأنهم سيخضعون لأخيهم فيحملهم على أن يكيدوا له كيداً ، فنهاه أن يخبرهم بذلك ، فلما كانت الرؤيا متضمنة لهذا الخبر ، قال يوسف عند حدوث المخبر به ووقوعه : (يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا) (يوسف : 100)، وقال الله -تعالى- : (يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ) ، أي يوم يأتي تأويل القرآن : (يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ) ، وهم الكفار (قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ) ، أي يوم يقع ما أخبر الله -تعالى- به في القرآن .

فعلى هذا المعنى يصح أن نقول في قوله -تعالى-: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ) (آل عمران : 7)، أي لا يعلم وقت قيام الساعة إلا الله ، ولا وقت وقوع الغيبيات إلا الله ، ولا يعلم كيفيتها إلا الله -عز وجل-.

ونذكر مثالاً آخر في الأمور الخبرية أيضاً : فنقول نحن أُخْبِرنا بالأمور الغيبية ولم نرها ، فأُخْبِرنا أن في الجنة فاكهةً ، وفي الجنة لحماً ، وفي الجنة ماءً ، وفي الجنة عسلاً ، وهذه كلها أخبار ، وتأويل هذه الأخبار مِنْ حيث وقت وقوعها وكيفيتها ومعرفة معانيها التفصيلية الدقيقة ، بحيث يُعْلَمُ كل شيء عنها ، هذا بالتأكيد مما ادخره الله -عز وجل- لأهل الإيمان ، كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (يَقُولُ اللهُ -عز وجل- : أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لا عَيْنٌ رَأَتْ وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ) .

وكما قلنا قبل ذلك «الاستواء معلوم والكيف مجهول» ، فهذا معنى من معاني التأويل الذي لا يعلمه إلا الله ، وهو هذه الكيفية المجهولة ، كيفية الأمور الغيبية الخبرية ومن ضمنها أسماء الله وصفاته ، مثل كيفية سمع الله ، وكيفية بصر الله -عز وجل- ، وكيفية علمه -عز وجل- ، وكيف تقوم الصفات بذاته ، فهذه الأمور الغيبية الخبرية لا يعلم تأويلها إلا الله ، بمعنى أن هذه الأمور الخبرية لا يعلم كيفياتها التفصيلية إلا اللهُ -عز وجل- .

وكما فهمنا الفرق بين الفاكهة واللحم ، وبين الماء والعسل ، وإن كنَّا لا نعرف كيفية هذه الأشياء لأنها غيب بالنسبة لنا ، فأولى بذلك وأولى أن نفهم معاني صفات الرب جل وعلا ، ونعرف أن هناك فرقاً بين السمع والبصر ، وبين العلم والقدرة ، ولكن لا نعرف كيفية السمع ، ولا كيفية البصر ، ولا كيفية العلم ، ولا كيفية القدرة ، وكذلك نقول في كيفية الاستواء وكيفية النزول ، ولذلك نقول : من أراد بقوله « إن آيات الصفات وأحاديثها متشابهة » بمعنى أنها مجهولة الكيفية لا يعلمها إلا الله ، فهذا كلام حق ، فقوله -تعالى-: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ) بمعنى لا يعلم كيفية الأمور الغيبية إلا الله أما إذا قصد أنه لا يعلم معناها بالكلية بل هي بمنزلة الكلام الأعجمي فهذا كلام باطل .

هذا إذا كان الكلام خبراً، أما إذا كان الكلام أمراً أو نهياً وليس خبراً فيكون معنى التأويل فعل المأمور به أو ترك المنهي عنه ، كما قالت عائشة -رضي الله عنها- : « كَانَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ : (سُبْحَانَكَ اللهمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللهمَّ اغْفِرْ لِي، يَتَأَوَّلُ القُرْآنَ) ، أي يفعل ما أُمِرَ به في القرآن ، لأن اللهُ -عز وجل- قال له : (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) (النصر : 3).

وكذلك نحن نتأول القرآن في الركوع قال -تعالى-: (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) (الحاقة : 52)، فنقول : « سبحان ربي العظيم » ، فهذا تأويل للقرآن ، أي أنه في باب الأوامر والنواهي يكون فعلُ المأمورِ به وتركُ المنهيِ عنه « تأويلاً » ، وليس ذلك هو التأويل الذي بمعني التفسير، هذا على القراءة الأولى بالوقف اللازم على لفظ الجلالة ، والتأويل فيها بمعنى كيفية الأمور الغيبية .

الصفحة السابقة الصفحة التالية