شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مقارنة بين نظام الخلافة وبين الدولة الحديثة ذات المرجعية الإسلامية (3)

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

هل يرفع اجتهاد الرئيس الخلاف في المسائل الاجتهادية؟

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد قدمنا في المقالتين السابقتين من هذه الدراسة تصورًا عامًا حول أبرز الفروق بين نظام الإمامة وبين نظام الدولة الدستورية القانونية الحديثة، وأثر هذا على رأس النظام في كل منهما؛ أعني بهما: "الإمام" في الأولى، و"الرئيس" في الثانية.

وقد ذكرنا في المقالة الأولى أبرز ميادين الخلاف، وهي:

1- أثر مبدأ الفصل بيْن السلطات في الدولة الدستورية الحديثة وأثره على صلاحيات "الرئيس" مقارنة بصلاحيات "الإمام".

2- إذا كان من المتفق عليه أن نظام الإمامة يتضمن حق المعارضة تحت مسمى: "الحسبة" بينما تلعب مؤسسة أهل الحل والعقد دور "التوازن" مع صلاحيات الرئيس، إلا أن النظام الدستوري قد جعل المعارضة المادية "أحزاب المعارضة" هي أحد أبرز آليات التوازن؛ مما يقتضي النظر إلى الأحزاب المعاصرة على أنها تقوم بهذين الدورين المزدوجين.

وتثور في العادة مشكلة في التعامل مع هذا الواقع عندما تكون الأحزاب الإسلامية جميعها في مقاعد المعارضة بينما يثور لدى البعض بعض الإشكاليات في حالة وجود حزب إسلامي حاكم أو رئيس إسلامي.

وقد ذكرنا في المقالة الثانية: مبدأ الفصل بين السلطات في "النظام الدستوري"، وما يترتب عليه من تقلص صلاحيات "الرئيس" مقارنة بصلاحيات الإمام.

وكان خلاصة ما ذكرناه أن:

أولاً: نظام الإمامة:

- مهام الدولة أداء فروض الكفايات.

- المخاطب بها الأمة.

- تختار الأمة وكيلاً عنها "الإمام" عبْر جماعة التأثير فيها "أهل الحل والعقد".

- يعتبر الإمام وكيلاً عن الأمة في كل هذه المهام "لا يوجد فصل بين السلطات".

- يفوض الإمام من يقوم بوظائف الدولة التنفيذية والتشريعية والقضائية "يوجد تمييز بين السلطات".

- تمارس الأمة بصفة عامة الحسبة السياسية على الإمام كما تمارسها بصفة أخص "أهل الحل والعقد"، والذين يكون لهم عزل الإمام إذا اقتضى الأمر ذلك.

ثانيًا: نظام الدولة الدستورية:

- الأمة مصدر السلطات.

- تختار الأمة سلطة تأسيسية.

- تحدد السلطة التأسيسية شروط من يتولى كل سلطة وحدود العلاقة بينها.

وقررنا أننا "معشر الإسلاميين" قد قبلنا بالمشاركة في ظل ذلك النظام السياسي مع إضافة الشريعة كمرجعية عليا فوق هذه السلطات (بالطبع يوجد بعض الإسلاميين الذين لم يقبلوا ذلك الحل، ولكنهم بلا شك لن يكونوا معنيين بموضوع هذه الدراسة أصلاً).

بل مثـَّل الإسلاميون العدد الأكبر في الجمعية التأسيسية، وكرسوا مبدأ الفصل بين السلطات وعملوا أكثر على تقليص صلاحيات رئيس الجمهورية لحساب صلاحيات رئيس الوزراء والبرلمان، وقدَّموا هذا الدستور للناس وامتدحوا ما فيه من تقليص صلاحيات الرئيس مما يعني أن هذا اتفاق رضائي لا يجوز لأحد أن ينقضه أو يتحلل منه.

وخرجنا من ذلك إلى أن ما أُمرنا به من طاعة ولاة الأمور مقسم بين مؤسسات الدولة كل بحسب اختصاصاته الدستورية، وكنا قد وعدنا بأن نتناول في هذه المرة الفارق الآخر المتعلق بدور الأحزاب السياسية الذي حل مكان وظيفتين في "نظام الإمامة"، وهما: "دور الحسبة السياسية" و"دور أهل الحل والعقد".

ولكن بدا لي أن ما عالجناه في المقالة السابقة في حاجة إلى مزيد إيضاح، وذلك أنني حللت ضيفًا على "ورشة نقاشية"، ورغم أنها كانت تدور حول موضوع آخر إلا أن هذا الموضوع طفا على السطح بشدة.

وناقشي فيه أحد الباحثين فذكر أربعة أمور:

الأول: أننا يمكننا اعتبار أن الرئيس إمام إلا أنه قد فوض باقي المؤسسات كلٌ في عمله.

الثاني: أننا طالما رُزقنا برئيس صالح فيجب أن نعقد معه بقلوبنا بيعة افتراضية عملاً بالحديث: ( مَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً ) (رواه مسلم) .

الثالث: أن الدستور قد نص على أن الرئيس حَكم بين السلطات مما يحيل إليه الكثير من الصلاحيات مرة أخرى، ويقربه من صلاحيات الإمام.

الرابع: أنه وفق هذا الاعتبار فهو إمام "بمعنى أن له صلاحيات الإمام المعروفة في الفقه"، ومِن أهمها: أن اجتهاده يرفع الخلاف في المسائل الاجتهادية.

وحيث إن هذه أمور في حاجة إلى بيان مما يثري البحث فقد خصصنا هذه المقالة في الإجابة عليها، وإليك الإجابة:

أولاً: "أما قول القائل: إنه يمكن اعتبار أن الصلاحيات كانت إليه ثم فوضها": فمسلك متى اتبعناه هُدمت قواعد المعاملات من بابها، ومنها قوله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) (المائدة:1) ، وقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( المُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) ؛ ولو جوزنا هذا المسلك لجاز لمن استأجر عقارًا أن يفترض أنه قد اشتراه! ولمن خطب امرأة أن يفترض أنه قد تزوجها! ولا يمكن الاحتجاج هنا بأننا كنا نود أن نقرر كذا... أو أنه كان من الأفضل أو من الواجب أن نفعل كذا... ولكن العبرة بما تم بالفعل، وبما وقع العقد عليه وبما التزمه الرئيس ولم يدع إلى خلافه؛ حتى إنه بيَّن أنه لا يوافق على قانون السلطة القضائية المقترَح أمام مجلس الشورى، ولما طالبه القضاة بسحبه اعتذر بأن هذا ليس من صلاحياته.

وأما المسألة الثانية: "من الاحتجاج بحديث: (مَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً)": فلابد من الاعتراف بأن هذا الأمر معجوز عنه بدلاً من افتراض "بيعة وهمية" لو سأل عنها التي تُدعى له لتبرأ منها!

ويجب علينا أن نتعظ مِن حال مَن حاول الفرار من مخالفة هذا الحديث رغم أنه عاجز عن اتباعه فاضطر إلى أن يعلن بيعة للظالمين والمبدلين لشرع الله -عز وجل-!

وأما المسألة الثالثة: فهي لا تصح إلا بعد التسليم أن المرجع في صلاحيات الرئيس هو الدستور؛ هذا من جهة، فإن سلمنا بهذا ثم تدبرنا في كون الرئيس حكمًا بين السلطات... علمنا أن هذا النص لا ينافي مبدأ الفصل بينها على أن هذا المعنى لم يعد موجودًا في دستور "مصر 2012م" حيث تم تعديل هذه المادة عمدًا إلى أنه: "يُراعى الفصل بين السلطات"، وهذا أيضًا ما تمدح به الإسلاميون عمومًا "وحزب الرئيس خصوصًا" فيما يتعلق بالدستور الجديد.

الصفحة التالية