مقارنة بين نظام الخلافة وبين الدولة الحديثة ذات المرجعية الإسلامية (3)
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
وقد نَشرتْ عدة مواقع خبر تعديل هذه المادة في "دستور 2012م"، منها: "موقع إخوان البحيرة" حيث نشر في "21-11-2012م" خبرًا تحت عنوان: "التأسيسية تنتهي من اختصاصات رئيس الجمهورية" جاء فيه: "واعترضت الدكتورة منار الشوربجي على جعل الرئيس يراعي الحدود بين السلطات في المادة (134)، وقالت: إن هذا سابقة بين كل دول العالم، ولا يجب للرئيس التدخل بين السلطات. فأوضح الدكتور عاطف البنا أن هذا النص هبط بسلطات الرئيس عن دستور 71، وجعله يراعي فقط ولا يتدخل بين السلطات".
- وأما مسألة أن اجتهاد الرئيس يرفع الخلاف في المسائل الاجتهادية: فهو فرع على اعتبار أن منصب الرئاسة يكافئ منصب الإمامة، ومِن ثَمَّ فتنقل القاعدة التي قررها الفقهاء "أن اجتهاد الإمام في المسائل الخلافية يرفع الخلاف" إلى الرئيس!
ويرد على هذه القضية عدة أمور:
الأول: أننا قد بيَّـنَّا أن ما دعونا الناس إليه وعاهدناهم عليه "والتزمه الرئيس" - أننا أنتجنا لهم دستورًا يقلص صلاحيات الرئيس عن الدستور الذي سبقه؛ حتى إننا لم نرضَ له أن يكون حكمًا بين السلطات -كما تقدم-؛ فكيف نعود فنجمع له السلطات أو نعطيه شيئًا من لوازم ذلك؟!
الثاني: أن هذه القاعدة مقيدة، وليست مطلقة حتى في حق الإمام.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في مجموع الفتاوى (35/372): "لَيْسَ الْمُرَادُ بِالشَّرْعِ اللازِمِ لِجَمِيعِ الْخَلْقِ "حُكْمُ الْحَاكِمِ" وَلَوْ كَانَ الْحَاكِمُ أَفْضَلَ أَهْلِ زَمَانِهِ؛ بَلْ حُكْمُ الْحَاكِمِ الْعَالِمِ الْعَادِلِ يُلْزِمُ قَوْمًا مُعَيَّنِينَ تَحَاكَمُوا إلَيْهِ فِي قَضِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ؛ لا يَلْزَمُ جَمِيعَ الْخُلُقِ وَلا يَجِبُ عَلَى عَالِمٍ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُقَلِّدَ حَاكِمًا لا فِي قَلِيلٍ وَلا فِي كَثِيرٍ إذَا كَانَ قَدْ عَرَفَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ؛ بَلْ لا يَجِبُ عَلَى آحَادِ الْعَامَّةِ تَقْلِيدُ الْحَاكِمِ فِي شَيْءٍ؛ بَلْ لَهُ أَنْ يَسْتَفْتِيَ مَنْ يَجُوزُ لَهُ اسْتِفْتَاؤُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَاكِمًا".
وقال مجموع الفتاوى (3/238-240): "الأُمَّةُ إذَا تَنَازَعَتْ فِي مَعْنَى آيَةٍ أَوْ حَدِيثٍ أَوْ حُكْمٍ خَبَرِيٍّ أَوْ طَلَبِيٍّ لَمْ يَكُنْ صِحَّةُ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَفَسَادُ الآخَرِ ثَابِتًا بِمُجَرَّدِ حُكْمِ حَاكِمٍ، فَإِنَّهُ إنَّمَا يُنَفَّذُ حُكْمُهُ فِي الأُمُورِ الْمُعَيَّنَةِ دُونَ الْعَامَّةِ، وَلَوْ جَازَ هَذَا لَجَازَ أَنْ يَحْكُمَ حَاكِمٌ بِأَنَّ قَوْله -تَعَالَى-: ( يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ) (البقرة:228) ، هُوَ الْحَيْضُ وَالأَطْهَارُ وَيَكُونُ هَذَا حُكْمًا يُلْزِمُ جَمِيعَ النَّاسِ... وَاَلَّذِي عَلَى السُّلْطَانِ فِي مَسَائِلِ النِّزَاعِ بَيْنَ الأُمَّةِ أَحَدُ أَمْرَيْنِ: إمَّا أَنْ يَحْمِلَهُمْ كُلَّهُمْ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ سَلَفُ الأُمَّةِ؛ لِقَوْلِهِ -تَعَالَى-: ( فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ) (النساء:59) ، وَإِذَا تَنَازَعُوا فُهِمَ كَلامُهُمْ إنْ كَانَ مِمَّنْ يُمْكِنُهُ فَهْمُ الْحَقِّ فَإِذَا تَبَيَّنَ لَهُ مَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ دَعَا النَّاسَ إلَيْهِ وَأَنْ يُقِرَّ النَّاسَ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ كَمَا يُقِرَّهُمْ عَلَى مَذَاهِبِهِمْ الْعَمَلِيَّةِ....
وَأَمَّا إلْزَامُ السُّلْطَانِ فِي مَسَائِلِ النِّزَاعِ بِالْتِزَامِ قَوْلٍ بِلا حُجَّةٍ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ فَهَذَا لا يَجُوزُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَلا يُفِيدُ حُكْمُ حَاكِمٍ بِصِحَّةِ قَوْلٍ دُونَ قَوْلٍ فِي مِثْلِ ذَلِكَ؛ إلا إذَا كَانَ مَعَهُ حُجَّةٌ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهَا فَيَكُونُ كَلامُهُ قَبْلَ الْوِلايَةِ وَبَعْدَهَا سَوَاءً" انتهى .
الثالث: أن هذا القول في حق الإمام مبناه على كونه مجتهدًا، فمن جوَّز ولاية غير المجتهد فقد ألزمه بالرجوع إلى قول المجتهدين.
یقول الإمام الغزالي -رحمه الله-: "وليست رتبة الاجتهاد مما لابد منه في الإمامة ضرورة، بل الورع الداعي إلى مراجعة أهل العلم فیه كافٍ، فإذا كان المقصود ترتيب الإمامة على وفق الشرع فأي فرق بیْن أن یعرف حكم الشرع بنظره أو یعرفه باتباع أفضل أهل زمانه".
ویقول الشهرستاني: "ومالت جماعة من أهل السنة إلى ذلك حتى جوَّزوا أن یكون الإمام غير مجتهد ولا خبیر بمواقع الاجتهاد، ولكن یجب أن یكون معه من یكون من أهل الاجتهاد فيراجعه في الأحكام ویستفتیه في الحلال والحرام، ویجب أن یكون في الجملة ذا رأي متین وبصر في الحوادث نافذ".
وهذه الأقوال من هؤلاء الأئمة يمكن اعتبارها تقريرًا لقاعدة عظيمة في الفقه السياسي الإسلامي، وهي أنه إذا اضطرت الأمة إلى إمام ليس مستجمعًا للشروط وجب أن يقابل ذلك تقييد للصلاحيات.
وقد بيَّن الشيخ "محمد شاكر الشريف" نموذجًا لوجود أمور خارجة عن صلاحيات الإمام، وأن هذا وجد مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال في معرض بحثه عن الشورى وحكمها ابتداءً ثم هل هي ملزمة أم معلمة: "ومن زاوية دخول الموضوع في صلاحيات الخليفة فإننا نقسم ذلك إلى قسمين: