شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مقارنة بين نظام الخلافة وبين الدولة الحديثة ذات المرجعية الإسلامية (3)

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

1- أمور يتولاها بمقتضى ولايته وهي داخلة في صلاحياته، فإنه ينفذها ويقوم بها على الوجه الذي يرى أنه يحقق مقاصد الولاية، ولا يجب عليه أن يستشير في ذلك إلا إذا لم يدرِ وجه الصواب من الأمور المشكلة ولم يترجح له شيء فيها، فأما تسييره لأمور الدولة وإصداره للتعليمات التي تنظِّم ذلك وعمل اللوائح والنُّظـُم التي يضبط بها أمره، واختياره لمعاونيه، وتوليته للولاة على الأقاليم أو غيرها، وتحديد صلاحياتهم ومحاسبتهم وعزلهم إذا اقتضى الأمر، ونحو ذلك من الأمور التي تدخل في صلاحياته، والتي يشار إليها في الفكر السياسي الوضعي بأنها "السلطة التنفيذية"؛ فإنه يعمل ذلك انطلاقًا من صلاحياته، ولا تجب عليه الاستشارة في ذلك، وإن كنا نقول: الاستشارة في هذه الأمور وما جرى مجراها -إذا لم يترتب عليها تعطيل للأمور- فيها خير كبير، ولن يعدم المستشير أن يستفيد خيرًا إذا أحسن اختيار من يستشيره.

2- أمور لا يملك التصرف فيها بمقتضى ولايته، فهذه لا يملك أن يمضيها إلا بموافقة أهلها على ذلك، ولذلك أمثلة: ففي غزوة بدر الكبرى لما أراد الرسول -صلى الله عليه وسلم- ملاقاة المشركين -بعد نجاة قافلة مكة- استشار مَن معه في القتال، فوافقه على ذلك المهاجرون، لكن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يكتفِ بذلك وقال: أشيروا عليَّ أيها الناس! وهو يريد بذلك الأنصار، وذلك أن البيعة التي أخذها عليهم في مكة لم تكن تلزمهم بالقتال خارج المدينة، وإنما كانت قاصرة على أن يمنعوه وهو في ديارهم مما يمنعون منه أنفسهم، ولم يُفرَض الجهاد في ذلك الوقت فرضًا عامًا، فكان خروج الأنصار إلى القتال في غزوة بدر خارجًا عن حد البيعة، كما لم يكن هناك إلزام من الشرع بذلك؛ لذلك أصرَّ الرسول -صلى الله عليه وسلم- على معرفة رأي الأنصار وموافقتهم على ذلك.

فقال له سعد بن معاذ -رضي الله عنه- لما فطن أن رسول -صلى الله عليه وسلم- يقصدهم بقوله: أشيروا عليَّ أيها الناس!: لعلك تخشى أن تكون الأنصار ترى حقًا عليها أن لا تنصرك إلا في ديارهم! وإني أقول عن الأنصار وأجيب عنهم؛ فاظعن حيث شئت، وصل حبل من شئت، واقطع حبل من شئت... إلى أن قال: والله، لئن استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، فسُرَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقول سعد ونشَّطه ذلك، ثم قال: سيروا وأبشروا، فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم!

وفي غزوة حنين عندما قسَّم الرسول -صلى الله عليه وسلم- على المسلمين غنائمهم التي أفاءها الله عليهم جاء وفد هوازن مسلمًا تائبًا، وسألوه أن يمن عليهم بما غنمه المسلمون منهم من السبايا والأموال، ولما كانت هذه قسمة قد وقعت ووصلت أصحابها بمقتضى القسمة الشرعية، ووضع أصحابها يدهم عليها وصارت ملكًا لهم بذلك لم يكن لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يأخذ منهم ما استحقوه بحكم الشرع إلا بموافقتهم؛ لذلك عرض عليهم -صلى الله عليه وسلم- ذلك وندبهم إليه، وبيَّن لهم أن مَن طابت نفسه برد ذلك عليهم فليرده، ومن لم تطب نفسه فإن الرسول -صلى الله عليه وسلم- يعوِّضه عن ذلك من أول ما يفيء الله على المسلمين.

فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: إن هؤلاء القوم جاؤوا مسلمين وقد كنت استأنيت سبيهم، وقد خيرتهم فلم يعدلوا بالأبناء والنساء شيئًا، فمن كان عنده منهن شيء فطابت نفسه بأن يرده فسبيلُُ ذلك، ومن أحب أن يستمسك بحقه فليرد عليهم وله بكل فريضة ست فرائض من أول ما يفيء الله علينا، فقال الناس: قد طيبنا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- . فقال: إنا لا نعرف من رضي منكم ممن لم يرضَ، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم.

فهنا أيضًا شاور رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أصحاب الشأن وعمل على رأيهم؛ لأنهم هم أملك بذلك" (انتهى من كتاب مقدمة في فقه النظام السياسي الإسلامي) .

ومما هو خارج على صلاحيات الإمام ما أخرجه بموجب اتفاق بينه وبين الأمة كما في النظم الدستورية، وهذا ما انتهى إليه الباحث "عبد الرحمن سليمان الرومي" في رسالة ماجستير من الجامعة الإسلامية في غزة بعنوان: "اجتهاد ولي الأمر في ضوء الواقع المعاصر".

فجاء في خلاصة بحثه: "هناك علاقة وثیقة بين ولي الأمر والهیئات التشريعية في الأنظمة المعاصرة، حیث تحملت الهیئات التشریعیة العبء الأكبر عن ولي الأمر في الجانب التشریعي، وضیقت دائرة اجتهاده، كما أن لها سلطة رقابة سياسية ومالیة، وفي المقابل لولي الأمر سلطة تدخل إجرائیة في الهیئات التشریعیة وعملها".

كما جاء فيها أيضًا: "المجامع الفقهیة هي الوسیلة المثلى لتحقيق الاجتهاد الجماعي وتنظیمه، وهي تقوم بدور مهم في الاجتهاد المعاصر ومعاونة ولاة الأمر في المستجدات والقضایا العامة".

قلت: (وقد أصبح هذا ملزمًا في الدستور المصري 2012م الذي ألزم جميع السلطات بما فيها الرئيس بالرجوع لهيئة كبار العلماء فيما يخص الشريعة).

الخلاصة:

وأختم هذه المقالة بمثل ما ختمتُ به سابقتها: إننا تعاقدنا مع المجتمع على نظام دستوري يحقق الفصل بين السلطات، وإن قاعدة: "اجتهاد الحاكم رافع للخلاف" تطبق على كلٍ بحسب ولايته من رئيس أو أغلبية برلمان أو قاضٍ أو غيره؛ لا سيما وأن هذا الأمر كان مقررًا في ظل نظام الإمامة ففي ظل الدولة الدستورية الحديثة من باب أولى.

الصفحة السابقة