شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

(الشورى - الشفافية) × (الإفراط في الثقة في القيادة - التبرير)

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

أولاً: الشورى من دعائم المجتمع المسلم:

في الوقت الذي كانت فيه أوروبا تعيش ما يُسمى بـ"العصور المظلمة" على كافة الأصعدة: السياسية، والاجتماعية، والعلمية "فضلاً عن الصعيد الديني والعقدي" كانت حضارة الإسلام في أوج تألقها في كافة الميادين، وليس في ميدان العقيدة وحدها، بل في ميادين السياسة، والاجتماع، والعلوم التجريبية كذلك.

وكانت أهم سمات الحكم الإسلامي سمتين:

الأولى: "المرجعية العليا للشريعة الإسلامية": كما في قوله -تعالى-: ( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) (النساء:65) ، وقوله -تعالى-: ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ... ) (الأحزاب:36) .

الثانية: "لزوم الشورى فيما لا نص فيه": وقد جعلها الله سمة أساسية من سمات المجتمع المسلم، فقال: ( وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ... ) (الشورى:38) .

قال الأستاذ "سيد قطب" -رحمه الله تعالى-: "والتعبير يجعل أمرهم كله شورى ليصبغ الحياة كلها بهذه الصبغة، وهو نص مكي كان قبل قيام الدولة الإسلامية، فهذا الطابع إذن أعم وأشمل من الدولة في حياة المسلمين، إنه طابع الجماعة الإسلامية في كل حالاتها، ولو كانت الدولة بمعناها الخاص لم تقم فيها بعد، والواقع أن الدولة في الإسلام ليست سوى إفراز طبيعي للجماعة وخصائصها الذاتية، والجماعة تتضمن الدولة وتنهض وإياها بتحقيق المنهج الإسلامي وهيمنته على الحياة الفردية والجماعية.

ومِن ثَمَّ كان طابع الشورى في الجماعة مبكرًا، وكان مدلوله أوسع وأعمق من محيط الدولة وشئون الحكم فيها، إنه طابع ذاتي للحياة الإسلامية، وسمة مميزة للجماعة المختارة لقيادة البشرية، وهي مِن ألزم صفات القيادة" اهـ .

ومع بيان أن الشورى من خصائص المجتمع المسلم فقد ألزم بها الحاكم خاصة مخاطبًا النبي -صلى الله عليه وسلم- بقوله: ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ) (آل عمران:159) ، ومعلوم أن هذا تنبيه بالأدنى على الأعلى، فإذا كانت الشورى لازمة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- رغم إمكان استغنائه عنها بالوحي فلزومها لمن بعده من الحكام بعد انقطاع الوحي من باب أولى.

وقد حرص الصحابة -رضي الله عنهم- على تنفيذ تلك التوجيهات الربانية رغم التباس الوحي بالرأي المجرد من النبي -صلى الله عليه وسلم- أحيانًا، ولكنهم كانوا يستفصلون متى أشكل عليهم كما في قصة "الحباب بن المنذر" -رضي الله عنه- مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في غزوة "بدر".

ثانيًا: هل الشورى مُلزِمَة أم مُعْلِمة؟

ما قدمنا من قوله -تعالى-: ( وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ ) يدل دلالة ظاهرة على وجوب الشورى على القائد، وهذه مما لا ينبغي الخلاف فيه، ولكن الخلاف في نتيجة هذه الشورى: هل هي ملزمة؟ أم أن القائد يسترشد بها ثم يجتهد وفق رأيه ويجب على المجموع أن يتبعه؟

وقد ذهب إلى كل من الرأيين طائفة من أهل العلم، والراجح بل الصحيح أنها ملزمة للأدلة الآتية:

1- غزوة أحد: فبالرغم من رؤيا النبي -صلى الله عليه وسلم- قبل غزوة "أحد" -ورؤيا الأنبياء حق- أن بقرًا له تذبح، وأن سيفه ينثلم، وأنه وضع يده في حصن منيعة، وأوّل ذلك بأن البقر التي تذبح أنه سيُقتل عدد من أصحابه، وأن سيفه الذي ينثلم سيُقتل رجل من أهل بيته - بالرغم من الرؤيا الحق هذه فإنه -عليه الصلاة والسلام- عندما استشار في الخروج للقوم أو البقاء في المدينة ورجحت كفة الذين يقولون بالخروج لهم -وغالبيتهم من الشباب- أخذ برأيهم، ورأوا في وجهه بعض التأثر وعرضوا عليه أن يتنازلوا عن رأيهم، فأبى وأمضى رأي الشورى، وكانت النتيجة ما هو معلوم.

ثم نزلت آية آل عمران تؤكد مبدأ الشورى من جديد كي تتعلم الأمة أن هذا المبدأ لابد أن يُقر في النفوس وفي ضمير الأمة حتى لو كان بالدماء الطاهرة من الصحابة الكرام، حتى لو رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- نتائج المعركة قبل أن تقع، لكنها تربية الأمة على ترسيخ الأسس.

2- غزوة الخندق: وفي غزوة الخندق لما حاصر المشركون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والمسلمين واشتد البلاء على المسلمين؛ بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى عيينة بن حصن والحارث بن عوف قائدي غطفان، وأعطاهما ثلث ثمار المدينة حتى يرجعا بمن معهما عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، وجرى بينه وبينهم الصلح، وقبل أن يقع ذلك استشار -عليه الصلاة والسلام- سعد بن معاذ وسعد بن عبادة في ذلك فقالا: "إن كان الله أمرك فسمعًا وطاعة، وإن كان شيئًا تحب أن تصنعه صنعناه، وإن كان شيئًا تصنعه لنا فلا، لقد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك وعبادة الأوثان وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى أو بيعًا، أفحين أكرمنا الله بالإسلام وأعزنا بك نعطيهم أموالنا؟ والله لا نعطيهم إلا السيف" فصوّب رأيهما، وقال: "إنما هو شيء أصنعه لكم لما رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة".

3- ومن ناحية النظر: فإن القول بأن الشورى معلمة لا ملزمة يفرِّغ الشورى من كثير من معانيها ويتيح للحاكم أو القائد فرصة الانفراد بالرأي؛ مما يخل بمبدأ الشورى.

4- أن جميع ما ذكره المخالفون في هذا الباب: إما مسائل جاء فيها الوحي لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- أو مسائل تمسك فيها الحاكم المجتهد العالِم بالدليل بمقتضى دليل عَلِمه وجهله الآخرون.

فمن ذلك:

أ?- قصة "أسارى بدر"، وهي دليل عليهم لا لهم حيث عمل النبي -صلى الله عليه وسلم- برأي أكثر أصحابه ثم نزل الوحي بخلافه.

الصفحة التالية