شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

(الشورى - الشفافية) × (الإفراط في الثقة في القيادة - التبرير)

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

ب?- قصة "صلح الحديبية" وهي أيضًا دليل عليهم لا لهم حيث تمسك الصحابة -رضي الله عنهم- برأيهم حتى آخر لحظة ولم يرجعوا عنه إلا بعد ما تبيَّن لهم أنه وحي من الله -عز وجل-، ولولا أن الصحابة يعلمون أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لا يخالف غالب رأيهم لما تمسكوا به حتى النهاية.

ج- قتال المرتدين وإصرار "أبي بكر" -رضي الله عنه- على ذلك رغم مخالفة الغالبية له؛ وذلك لأنه لا شورى في موضوع النص، والنص مع ما ذهب له "أبو بكر الصديق" -رضي الله عنه- في ضرورة قتال مَن ارتد، ثم إن المناقشة قد انتهت إلى قبول معظمهم برأي "أبي بكر" -رضي الله عنه- والعبرة بما استقر عليه الأمر بعد تداول المشورة، ومثله يُقال في بعث أسامة.

ثالثًا: دوائر الشورى:

عندما نتحدث عن الشورى في المجتمعات الصغيرة كالأسرة أو جماعة السفر أو الحي الصغير فلا يكون هناك كبير عناء في هذا الباب، بينما يصبح الأمر في غاية الصعوبة عندما تتسع قاعدة الجماعة المراد مشاورتها، وهذه المشكلة تواجه أي نظام يريد أن يرجع اتخاذ القرار إلى المجموع؛ سواء في نظام الشورى في الإسلام أو في نظام الحكم الديمقراطي.

أما في النظام السياسي في الإسلام: فقد وجد مفهوم أهل الحل والعقد كجماعة محدودة العدد، واسعة الأثر، متنوعة الخبرات تكون هي التي يجب على الإمام أن يستشيرها أو يرجع إليها، كما أن "الفكر الديمقراطي" قد لجأ إلى مفهوم الديمقراطية النيابية لانتخاب ممثلين عن الشعب يقومون بهذا الدور؛ إلا أن "الفكر الديمقراطي" قام أيضًا على مبدأ الفصل بين السلطات فصارت سلطة البرلمان المنتخب أعلى من أن تسمى سلطة شورية؛ لأنها سلطة حقيقية مستقلة عن سلطة الرئيس.

وبقيت هناك صلاحيات للرئيس بموجب الدستور يملكها منفردًا مع الاتفاق على ضرورة أن يكون له مستشارون، وأن يخضع قراراته لحوار مجتمعي، وأن يستمع إلى أصوات المعارضة؛ مما يعني أن النظام السياسي الإسلامي الذي أبقى جميع الصلاحيات في يد الإمام قد أبقى في ذات الوقت جميع قراراته خاضعة لمراقبة أهل الحل والعقد، بينما النظام الديمقراطي الذي أعطى للبرلمان سلطة التشريع والرقابة على الرئيس ترك الرئيس يختار مستشاريه فيما يتعلق بالصلاحيات الممنوحة له، ومِن ثَمَّ يؤكد مُنظِّري الفكر الديمقراطي مسألة بقاء الشعب حاضرًا في الصورة وعدم ترك الأمر بالكلية لفكرة نواب الشعب.

الحاصل: إن تلك المقارنة غير مقصودة لذاتها في هذا السياق بقدر ما نريد تقرير أنه عند اتساع الجماعة البشرية التي نتحدث عنها فلابد من الحديث عن شورى مقيدة، وحتى لا يضيع حق العامة في الشورى فيجب أن يُراعى مع هذا ما يصطلح على تسميته في الاصطلاح المعاصر بـ"الشفافية".

رابعًا: "الشفافية":

عرف بعضهم الشفافية بقوله: إن الشفافية هي حق كل مواطن في الحصول على المعلومات ومعرفة آليات اتخاذ القرار المؤسسي، ومطلب الشفافية ضروري لوضع معايير أخلاقية وميثاق عمل مؤسسي؛ لما تؤدي إليه من اكتشاف الفساد ومنعه، ويمكن القول بأن شفافية أنشطة الإدارة إنما تعني أن تعمل الإدارة العامة "الحكومة" في "بيت من زجاج كل ما به مكشوف للعاملين".

وهذا المعنى كان مطبَّقًا في عصر مبكر في الدولة الإسلامية، وقد عدَّ الباحث "سامي الطوخي" أساليب تطبيق الشفافية والرقابة والمحاسبة في عهد الخليفة "عمر" -رضي الله عنه-:

1- إحصاء ثروة عماله قبل توليهم الولايات.

2- سن عمر نظام المقاسمة أو المشاطرة.

3- بث الرقباء والعيون.

4- إرسال المفتشين.

5- الالتجاء إلى الحيلة.

6- دخول الولاة والعمال نهارًا.

7- تقييم الأداء كوسيلة من وسائل الرقابة.

8- عقد المجالس الشعبية لمراجعة واعتماد الحسابات الختامية.

9- التفتيش بنفسه.

10- مراقبة عمر -رضي الله عنه- لنفسه.

خامسًا: الحركة الإسلامية من (الشورى - الشفافية) إلى × (الإفراط في الثقة في القيادة - التبرير):

نشأت الحركة الإسلامية المعاصرة في ظل احتلال أجنبي، وعندما تنفست الأمة الصعداء برحيله فوجئت بنفسها أمام حكم عسكري غاشم أو عالماني سافر أو جامع بينهما في أغلب الأحيان؛ مما أضعف قدرة الحركة الإسلامية على توسيع دائرة الشورى، كما أن طبيعة تربص الأنظمة بالحركة الإسلامية جعل القيادة تحيد عن مبدأ الشفافية إلى حد كبير.

وهذا ما دفع كثيرًا من الكيانات الدعوية إلى التخلي عن التنظيم والمؤسسية من الأساس أو دفعها إلى الاستعاضة عن توسيع دائرة الشورى والشفافية في اتخاذ القرارات إلى المبالغة في الكلام على الثقة في القيادة.

ومِن أوضح الأمثلة على ذلك: "الركن العاشر من أركان بيعة الإخوان المسلمين"، على أننا إذا تحدثنا عن الإخوان المسلمين؛ فلابد وأن نضيف عاملين أخريين في مجال الكلام على التركيز على الثقة في القيادة:

الأول: تأثر المؤسس الأستاذ "حسن البنا" -رحمه الله- بالصوفية التي تبالغ في مبدأ الثقة في الشيخ إلى الحد الذي تطالِب المُريد أن يكون بين يدي الشيخ كالميت بين يدي مغسله!

الثاني: أن مراحل تأسيس الدول والجماعات والحركات تحتاج إلى قدر من الانفراد بالقرار فلا نستطيع أن نتوقع على وجه الدقة ماذا لو طالت الحياة بالأستاذ "حسن البنا" -رحمه الله وأنزله منازل الشهداء- هل كان سيخفف من التعويل على هذا الجانب أم لا؟

على أي فقد استمرت جماعة الإخوان بعد الأستاذ المؤسس على نفس أركان البيعة، بل إنها في مراحل الاضطهاد التي تلت مقتله -رحمه الله- لم يكن لها في كثير من الأحيان من درع إلا مسألة الثقة!

بل إن هذا الأمر بقي حتى بعد "ثورة 25 يناير" فكتب الأستاذ "أويس عثمان" سلسلة مقالات بعنوان: "تماسك الدعوة... فتِّش عن ركن الثقة"، عرَّف فيها الثقة التي يعنيها قائلاً: "والثقة في المفهوم الحركي يُقصد بها كما وضحها الإمام البنا بأنها "اطمئنان الجندي إلى القائد في كفاءته وإخلاصه اطمئنانًا عميقًا ينتج الحب والتقدير والاحترام".

الصفحة السابقة الصفحة التالية