شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

عقيدة السلف في الصفات شرح المنة (7)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

التشبيه « التمثيل »

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،

أما التشبيه: فهو اعتقاد أن الله -عز وجل- يشبه أحداً من خلقه، والصحيح تسميته بالتمثيل، قال -تعالى-: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) ، وقال: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) .

الفرق بين التكييف والتمثيل :

التمثيل نوع خاص من أنواع التكييف ، فقد يقول قائل : هو يشبه كذا ، فهذا تمثيل ، وقد يقول : هو لا يشبه أحداً ، لكن له كيفية خاصة في ذهني أنا ، لا أستطيع أن أشبهه بأحد ، وهذا تكييف ، فالتكييف أعم من التمثيل وهو أن تكون له كيفية في ذهن المكيِّف ، ليست في شيء من الموجودات ، كالذي يخترع شيئاً جديداً ، صورته النهائية غير موجودة في المشاهدات أمامه ، فالتمثيل نوع خاص من التكييف.

والتمثيل والتكييف كلاهما باطل، لكن الفرق أن نفي التكييف المقصود به نفي علمنا نحن به عنا لا نفيه مطلقاً ، فهناك كيفية لصفات الله لكن نحن لا نعلمها أما التمثيل فهو منفي مطلقاً لأنه ليس هناك مثيل لله ولا لصفاته ، فالتمثيل منفي وجوده على الإطلاق ، فالمثيل معدوم ، أما الكيفية فهناك كيفية لا نعلمها ، فالكيف ليس معدوماً بل هو موجود لكنه مجهول لنا .

هل آيات الصفات وأحاديثها من المحكم أم من المتشابه ؟

في البداية نريد أن نعرف: ما المقصود بالمحكم والمتشابه ؟ قال تعالى : (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَاب) ، فالمحكم : هو ما لا يحتمل إلا معنىً واحداً ، وقوله -تعالى-: (هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ) أي أصله الذي يُرجع إليه عند الاختلاف، (وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ) والمتشابه : هو ما يحتمل عدة معانٍ .

فماذا يفعل أهل الحق تجاه الآيات المتشابهة؟ يَرُدُّونها للآيات المحكمة فيتسق الكتاب كله، وليس بين الآيات المتشابهة والمحكمة اختلاف، ولكن المحكمة ليست لها احتمالات والمتشابهة لها احتمالات، فَنَرُدها إلى المحكمة فنفهم معناها.

وأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون المتشابه -الذي لا يعلم تأويله إلا الله -عز وجل- محاولين تحريفه وتأويله تأويلاتٍ باطلة ، وتفسيره تفسيراً خاطئاً ، ويتركون المحكم .

والغيبيات كلها من الآيات المتشابهة ومن ضمنها كيفية صفات الله -عز وجل-، وبعض المتأخرين قال : إن آيات الصفات من المتشابه، وهذا صواب وحق، لكن ليس ذلك معناه أنها حروف بلا معنى ، أو مجهولة المعاني، فيُظَن أنه لا يعلم تأويلها إلا الله، أي لا يعلم تفسيرها إلا الله، فيُقال إن قوله -تعالى-: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) ، عبارة عن « ا ل ر ح م ن ع ل ى ا ل ع ر ش ا س ت و ى »، وأنها لا تفيد أكثر من ذلك، فمن قال ذلك فهو ضال، لأنه يجعلها كالكلام الأعجمي أو الحروف المرصوصة بلا معنى، وقالوا إن لها تفسيراً مجهولاً لا نعلمه، غير التفسير الذي نعرفه من اللغة العربية، وهذا كلام باطل.

فالذين قالوا إن آيات الصفات من المتشابه بهذا الاعتبار وبهذا الفهم هم مخطئون، وفي الحقيقة ليس في القرآن كله متشابه بهذا المعنى، بل آيات الصفات وغيرها من الأمور الغيبية متشابهة بمعنى أنها معلومة المعنى مجهولة الكيفية.

وثبت عن ابن عباس -رضي الله عنه- أنه قرأ حديثاً عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الصفات، فانتفض رجل عنده إنكاراً لذلك، فقال ابن عباس : « ما فَرَقُ هؤلاء ، يجدون رِقَّةً عند محكمه، ويهلكون عند متشابهه؟! »، ما فرق هؤلاء : أي ما الذي جعلهم يخافون هذا الخوف؟! وما الذي أدى به إلى هذا الحال ، فيجد رقة عند المحكم ، وهو الأوامر والنواهي ، فيكون شديد الالتزام بالأمر والنهي ، ويأتي عند الأمور الغيبية فيهلك بردها وتكذيبها ؟! أما المؤمنون فحالهم عند الآيات المتشابهة أنهم (يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) ، ولا يردون المتشابه بتكذيبه، بل يردونه إلى المحكم، ويدركون أن الجزء المجهول بالنسبة لنا ـ وهو الكيفية ـ لا يستطيع أحد علمه ، فيتسق الكتاب كله ، فنقول: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) ، فنثبت السمع والبصر ولكن بكيفية مجهولة لا نعلمها .

فالآيات المتشابهة تشتبه على أهل الزيغ والضلال، وأما كونها متشابهة عند أهل الإيمان فهي بمعنى مجهولة الكيفية، فالمتشابه الذي لا يعلمه إلا الله هو حقيقة الصفات، وكيفيتها، أما المعنى فهو مما قال الله فيه : (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ) ، لم يستثن متشابهاً ولا غيره .

التفويض

أما التفويض فله معنيان:

1 - تفويض المعنى. 2- تفويض الكيفية.

والتفويض هو: رد العلم إلى الله وحده، فهل السلف عندما يفوضون في باب الصفات ويقولون: « أمِرُّوها كما جاءت »، هل كانت عندهم بلا معانٍ ؟! وهل كانوا يفوضون المعنى ويُردُّون علم المعنى إلى الله -سبحانه وتعالى- ؟! وبالتالي تكون الأسماء والصفات بمثابة حروفٍ مقطعة ملصقة بجانب بعضها البعض ، ونقول : الله أعلم بها ، كما قال من لم يعرف تفسير (الم) و (الر) : الله أعلم بها ، ولا نتكلم فيها ؟!

الصفحة التالية