شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

عقيدة السلف في الصفات شرح المنة (7)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

فهل كان مقصد السلف هو هذا التفويض للمعنى في قوله -تعالى-: (وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) ، و قوله -تعالى-: ( وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا) ، وقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: « يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ كُلَّ لَيْلَةٍ ، فَيَقُولُ : مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ ؟؟ مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ ؟؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ ؟؟ حَتَّى يَطْلُعَ الفَجْرُ » ؟! فالجواب : لا ، فليس هذا مقصدهم ، بل قولهم « أمروها كما جاءت » أي دالةً على معانيها دون الخوض في الكيفية ، وبدون تفصيل .

مثال ذلك كلمة « يسمع » كلمة معلومة مفهومة لا تحتاج إلى تفسير ، ولذلك مَنْ قال : « لا كيف ولا معنى » يقصد أنه ليس هناك معان يُعَرَّفُ بها اللفظ ، وهو واضح لا يحتاج إلى تعريف ولا يحتاج أن يسأل عن معناه ، لأن طريقة المتكلمين وأصحاب الفلسفة أن لكل شيء تعريفاً ، فيقولون مثلاً : السمع صفة ثبوتية لله -عز وجل- قائمة بذاته بها يدرك المسموعات، وهذا التعريف في الحقيقة لا يفيد شيئاً فَشرْطُ التعريـف الصحيح ألا يعتمد على المُعَرِّف في البيان المُعَرِّف وهم يقولون إدراك المسموعات .

والحق أن كلمة السمع لا تحتاج لتفسير، فإن الطفل الصغير يدرك معناها إذا قلت له: هل تسمعني؟ سيقول: نعم، وهكذا كلمات البصر والنزول والصعود ، كلمات معلومة المعاني، لا تحتاج لتفسير، بخلاف ما إذا احتاجت الكلمة لتفسير فنفسرها حينئذ، مثل قوله -تعالى-: (وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا) ، فقوله مقيتاً: أي شهيداً.

وكذلك « الصمد »: أي الذي يَصْمُد إليه الخلائق في حوائجهم أي يقصدونه، والذي لا يأكل ولا يشرب ، والذي لم يلد ولم يولد، لأن الكلمة غير مستعملة في اللغة المعتادة عند الناس فهي تحتاج إلى شرح وبيان خاصة عند غير العرب .

إذاً فما المتشابه من آيات الصفات وأحاديثها الذي لا يعلمه إلا الله ؟ هو الكيفية ، أما من يقول : معانيها مجهولة ، أو إنها بلا معانٍ نعرفها ، فقد أخطأ خطأً بيناً ، بل قد أتى بدعة وضلالة، كالذي يقول إنها حروف كالكلام الأعجمي مع نفي معانيها الحقيقية في اللغة العربية ، وكالذي يقرر أنه لا يجوز أن نصف الرب -سبحانه وتعالى- بأن له يدين ، ويقول في قوله -تعالى-: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ) ، يقول إنها عبارة عن : « ب ل ي د ا ه م ب س و ط ت ا ن » ، فإن قلت له : فما تفسيرها ؟ قال : الله أعلم به ، لا نعلمه ، تفسيرها مجهول بالكلية .

لذلك فالسلف عندما قالوا : « الاستواء معلوم » ، قصدوا معلوم المعنى ، ولذلك فالذي قال بالتفويض في معاني أسماء الله وصفاته وأنها حروف لا تؤدي معنى كالكلام الأعجمي ، أو الحروف المقطعة في أوائل السور ـ مع أنه مثال غير صحيح لأن من قال فيها : الله أعلم بتفسيرها ، لم يمنع غيره من الكلام عليها ولم يقل لا يعلمها مخلوق، بل قال : أنا لا أعلم ـ والذي قال ذلك قد جمع بين التعطيل وبين الجهل بعقيدة السلف والكذب عليهم ، فالتفويض الواجب هو تفويض الكيف لا تفويض المعنى.

وفائدة هذا الفصل ـ التفويض ـ هو الرد على من قال من المتأخرين: إن السلف مُفَوِّضَة، وكلمة المفوضة عندهم يقصدون بها تفويض المعنى، وهذا كلام باطل لا يجوز.

الصفحة السابقة