الإسلام "والديمقراطية" مواطن الاتفاق ومواطن الاختلاف
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فالنظام الديمقراطي نظام يوناني قديم أعرضت عنه أوروبا إلى مناهج حكم امتزجت فيها الثيوقراطية "المسماة بالدينية"، بالأوتوقراطية "الديكتاتورية"، وهذه الديكتاتورية من رجال الكنيسة مِن جهة ومن رجال الحكم من جهة ولدت انفجارًا في اتجاهين:
الأول: رفض الدين.
الثاني: رفض الديكتاتورية.
حتى ظن كثير من الباحثين -فضلاً عن العامة- التلازم التام بينهما.
وهنا عادت أوروبا إلى الديمقراطية اليونانية؛ لأنه تحقق لها الأمرين معًا حيث نقلت السيادة المطلقة التي كانت الكنيسة تتنازعها مع الملوك إلى الشعب.
ثم تطورت النظرية لتشمل عددًا من الأسس، منها:
1- مبدأ السيادة التامة للشعب فهو مَن يملك حق التشريع والإباحة والمنع.
2- مبدأ الفصل بين السلطات.
3- مبدأ تداول السلطة.
كما شملتْ عددًا من الآليات، مثل: التمثيل النيابي، والانتخابات، والبرلمانات، وأسلوب الرقابة، وغيرها من الآليات... وبعض هذه الآليات نقلها الغرب عن كتب السياسة الشرعية الإسلامية.
ولكن هل يدعونا هذا إلى ترديد عبارة: "الديمقراطية بضاعتنا رُدت إلينا"؟
في الواقع: إن موضوع "بضاعتنا ردت إلينا لا مجال له في عالم الأفكار"، وإنما مجاله "الماديات"؛ فمن سُرق منه "شيء" ثم استرده يقول: "بضاعتنا ردت إلينا"، أما أن يستعير آخر منه فكرة ثم يلقحها بأفكار من عنده ليخرج شيئًا جديدًا ليس هو بضاعتك؛ فلمَ تقبله "لا سيما وأن بضاعتك الصافية النقية ما زالت عندك"؟!
وهل إذا استنسخ أحد كتابًا من كتبك ثم زاد ونقص في نسخته التي نسخها، فهل يمكنك الاعتماد عليها رغم وجود نسختك الأصلية؟!
وعلى الرغم من أن النظام الديمقراطي لم يخلُ من مشكلات، منها: صعوبة تطبيق الديمقراطية المباشرة، وعدم دقة غير المباشرة.
ومنها: ظهور ظاهرة المال السياسي، وغيرها من الصعوبات؛ إلا أنها مثَّلت بالنسبة للغرب تطورًا هائلاً لنظم الحكم مما جعلهم يجزمون بأنها رغم مشاكلها هي "أفضل البدائل المتاحة".
وفي واقع الأمر "وقبل أن يظهر أصحاب نظرية بضاعتنا ردت إلينا"، فإن الديمقراطية قد انتقلت إلى بلاد المسلمين عن طريق أصحاب مقولة: "علينا أن نأخذ كل ما عند الغرب حتى القاذورات التي في بطونهم!".
وبعد أن تمكنت النظم الديمقراطية "نظريًّا" في بلاد المسلمين اختلفت نظرة العلماء إليها، فانقسموا إلى قسمين رئيسيين:
1- قسم اعتبر الديمقراطية هي بعينها الشورى الإسلامية وأنها بضاعتنا ردت إلينا! وعلى رأس هؤلاء: الدكتور "يوسف القرضاوي"، و"الغنوشى"، و"الترابي"، وعامة أصحاب هذه المدرسة.
2- قسم اعتبر الديمقراطية مناقضة للإسلام إذ جعلت السيادة للشعب، والسيادة في دين المسلمين لله -عز وجل-: ( إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ أَمَرَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ ) (يوسف:40) ، وقال -تعالى-: ( أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ ) (الأعراف:54) ، وكما يقول الدكتور "محمد عمارة": "فالإسلام يقول: ( أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ ) بينما الديمقراطية تقول: (أَلا لَهُ الْخَلْقُ فَقَطْ!)". وهذه عبارة جامعة مانعة تغنيك عن الكثير من الكلام.
إلا أن أصحاب المذهب الأخير قد انقسموا إلى مذهبين فرعيين:
الأول: مَن يصر على نقد الديمقراطية على اعتبار أنها لا معنى لها إلا منازعة سيادة الله على البشر ولزوم اتباع شرعه، ومِن ثَمَّ فهي عنده أشبه بالفكرة البسيطة التي لا تحتمل البسط ولا التفصيل، ثم إنه يتنزل أنه وإن كان فيها من حق فهو غير مفيد لنا على الإطلاق، وممن يذهب إلى ذلك الاتجاه الشيخ "محمد شاكر الشريف"، والشيخ "سعيد عبد العظيم".
الثاني: من يرى أن الديمقراطية فكرة مركبة من عدة أفكار جزئية يمكنك أن تفككها فتقبل منها وترفض، ويأتي على رأس هؤلاء: الدكتور "محمد ضياء الريس"، وبالطبع كل مَن يقبل الديمقراطية بإطلاق هو في الواقع من هذا النوع غير أنه يخالف الواقع حينما يُخرِج نظرية السيادة من تعريف الديمقراطية معتمدًا على تعريفات مختزلة للديمقراطية في بعض الإجراءات، ومِن ثَمَّ يبني على ذلك القبول المطلق بها.
هل مصطلح الديمقراطية قابل للتفكيك؟
يرفض البعض تفكيك مصطلح الديمقراطية أو غيره من المصطلحات من باب أن هذا فيه فتنة وتلبيس، وأنك متى رفضتَ من الديمقراطية جزءًا وقبلتَ الجزء الآخر فإن الذي سوف يروَّج إعلاميًّا هو القبول المطلق بها؛ مما يلزم منه الإقرار بالباطل.
وفي الواقع إن الأمر هاهنا يحتاج إلى مناقشة من جهتين:
الأولى: هل الديمقراطية بالفعل فكرة مركبة أم لا؟ وهل بعض جزئياتها موافق للشرع أم لا؟
الثاني: إذا كانت الديمقراطية فكرة مركبة وبعض جزئياتها موافق والبعض مخالف، فهل المناسب هو تغليب المخالفة لا سيما إذا كانت تبلغ درجة الكفر أم أن الأنسب هو التفصيل؟
فبالنسبة للسؤال الأول: فالصحيح أن الديمقراطية فكرة مركبة من أمور مخالفة للشرع وأخرى موافقة، بل منقولة من الشرع.
وأما السؤال الثاني: فالصحيح أن هذا الأمر راجع إلى المصالح والمفاسد، وهو قريب الشبه من قضية النقل عن أهل الكتاب التي قال النبي -صلى الله عليه وسلم- فيها: ( مَا حَدَّثَكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَلا تُصَدِّقُوهُمْ، وَلا تُكَذِّبُوهُمْ ) (رواه أحمد وأبو داود وابن حبان، وصححه الألباني) ، بينما أنكر على عمر -رضي الله عنه- لما وجد بيده صحيفة من التوراة، فقال: ( أَمُتَهَوِّكُونَ فِيهَا يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً ) (رواه أحمد والبيهقي، وحسنه الألباني) ، والأمر هاهنا يختلف باختلاف الأحوال.
كذلك وجدنا بعض الأئمة ينكرون بدع الصوفية شكلاً وموضوعًا في حين اضطر ابن تيمية -رحمه الله- إلى تفكيك كثير من مصطلحات الصوفية ليفصِّل في شأن ألفاظ غريبة عن منهج السلف: كالحال، والمقام، بل الحلول والاتحاد التي أوجد لها معانٍ موافقة للشرع، وقال: إن أريد بها ذلك قبلتْ وإلا فهي من الكفر والضلال.