شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الإسلام "والديمقراطية" مواطن الاتفاق ومواطن الاختلاف

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

وهذا الذي فعله ابن تيمية -رحمه الله-؛ لأنه رأى أن أصحاب هذه الأقوال الكفرية يروجونها متسترين بالأقوال الأخرى، فكان لابد من هذا التفصيل ليزول الإشكال؛ لا سيما وأن هذه الألفاظ شأنها شأن الديمقراطية لسنا متعبدين بقبولها أو رفضها، وإنما نحن متعبدون بقبول الحق ورفض الباطل.

تفكيك مصطلح الديمقراطية وعلاقته بمشروعية العمل السياسي:

في معرض بيان مشروعية العمل السياسي نقل الشيخ "عبد الرحمن عبد الخالق" فتاوى عن الشيخ "ابن باز" والشيخ "ابن عثيمين" -رحمهما الله- بجواز العمل السياسي بشرط إنكار المنكر، وعلَّق على هذا بأنهم أفتوا بهذه الفتاوى وهم يعرفون دساتير تلك الدول، وما فيها من ذكر الديمقراطية.

وذكر الدكتور "محمد يسري إبراهيم" في رسالته عن حكم المشاركة السياسية أن القائلين بالمشاركة بضوابط إنكار الباطل يمكن اعتبارهم جمهور المعاصرين.

وإذا كان الأمر كذلك فيجب على المشارك لكي يحقق شرطها الذي ذكره أهل العلم أن يعرف المصطلحات السياسية المعاصرة، وما تتضمنه من حق أو باطل.

موقف "الدعوة السلفية" من العمل السياسي قبل وبعد الثورة:

كانت "الدعوة السلفية" تتبنى أن العمل السياسي في ظل الأنظمة الديمقراطية الحديثة على ضربين:

الأول: ما لا يتحقق فيها الشرط الذي ذكره عامة العلماء، وهو البراءة من الباطل الذي تتضمنه كلمة الديمقراطية أو غيرها من الأفكار اللصيقة بها؛ لا سيما الأفكار الليبرالية.

الثاني: ما يتحقق فيها ذلك.

وفي الحالة الأولى: كانت الدعوة تجزم بعدم الجواز.

وأما في الثانية: فكانت الدعوة تعلقها على المصلحة والمفسدة؛ هذا من حيث الحكم، وأما الفتوى في الواقع المصري فكانت الامتناع؛ لكون عامة المشاركين آنذاك يقدمون تنازلاتٍ، مثل: القبول بالديمقراطية بدون تفصيل، بل والقبول بمعظم معطيات الليبرالية! كما أن المصالح المترتبة على المشاركة تكاد تكون منعدمة في ظل نظام حكم متكلس غير قابل للإصلاح.

وأما بعد الثورة: فقد حاول البعض النزول بمرجعية الشريعة في الدستور عما كانت عليه قبل الثورة؛ مما حفز الجميع تقريبًا إلى تبني المشاركة في المناقشات حول الدستور، وطرحت الدعوة رؤيتها ودافعت عن عدم قبولها بالديمقراطية بمعناها الغربي، وأنها لا تقبل منها إلا ما يوافق الإسلام، ووفق الله "الدعوة" إلى تدشين تلك التجربة، والتي نجحت -بحمد الله- في الحفاظ على "المادة الثانية"، ثم تعمقت بإضافة مواد: (4) و(81) و(219) بالإضافة إلى تثبيت المادة (2) والمادة (11) في دستور 2012م.

موقف "الدعوة السلفية" من مصطلح "الديمقراطية" قبل وبعد الثورة:

بناءً على ما تقدم فقد كان الأنسب قبل الثورة وفي ظل عدم جدوى المشاركة، وفي ظل محاولات تمرير الديمقراطية وقبول عدد كبير من الرموز الإسلامية لفكرة أن "الديمقراطية بضاعتنا ردت إلينا" - أن يكون الرفض المختصر الذي يركز على أسباب الرفض، وإن كانت الحيثيات لم تكن تخلو من ذكر بعض التفاصيل.

وأما بعد الثورة وفي ظل ترجح مصالح المشاركة، والتي ينبغي معها أن يترجم قيد "بشرط عدم الإقرار بمنكر" إلى حدود واضحة لهذا الذي تنكر، ولغيره الذي تقبل - كان لابد من التفصيل والتوضيح، بل إن "الدعوة" ما زالت تحرص في خطابها ألا تمدح الديمقراطية مجردة؛ ولو باستصحاب قيد يذكر مرة وتنتهي المشكلة "كانت أحد أسباب الخلاف بين د.عماد عبد الغفور الرئيس السابق لحزب النور وبين الدعوة السلفية أنه كان يرى أنه يسعنا التصريح بقبول الديمقراطية مطلقًا طالما أننا ذكرنا القيد ذات مرة، بل كان الدكتور عماد ينحاز للرأي الذي يخرج الديمقراطية من نطاق أن تكون متضمنة بحكم تعريفها ما يناقض الإسلام".

ومن هنا: حرصتْ "الدعوة" على التبرؤ من فلسفة الديمقراطية "نظرية السيادة للشعب"، والتي يعبر عنها د."محمد عمارة" بأنها تقرر أن الله له الخلق دون الأمر، وحتى الآليات فلم ندعِ أنها موافقة للشرع تمامًا، ولكن القبول بهذه الآليات حينئذٍ يكون من باب أدنى المفسدتين كما أفتى الشيخ "الألباني" جبهةَ الإنقاذ في الجزائر بالدخول في الانتخابات من باب ارتكاب أدنى المفسدتين كما صرَّح بذلك في رده على الشيخ "مقبل" الذي هاتفه مستفهمًا كما في "تحفة المجيب" (نقلاً عن حكم مشاركة الإسلاميين في العمل السياسي لسامح الغنيمي) .

مثال توضيحي:

إذا أعد أحدهم طعامًا مكونًا من لحم وخضروات، ثم وضع فيه ملحًا زائدًا، ثم أضاف ملعقة سم ثم قدمه للناس، فالواجب عليك حينئذٍ أن تسارع بالتحذير منه، وربما اكتفيتَ بقولك: "إنه مميت" دون أن تشير إلى أن بعض مكوناته طيب.

ثم إن فاوضك هذا الشخص على إعادة صنع الطعام واشترطتَ عليه حذف السم فوافق، واشترطتَ عليه حذف الملح الزائد فرفض، وإذا تركته والحالة هذه فسوف يصنعه كما كان، بل أفسد، وإن قبلت الملح الزائد منعتَ السم القاتل الذي يصيبك منه شئت أم أبيت.

فمع استبعاد السم الذي مفسدته قطعية ولا تقوم أمامها مصلحة يمكننا الكلام على الموازنة بين المصالح والمفاسد.

وفي حالتنا تلك مثَّلنا باللحم والخضروات لما يُقبل من الديمقراطية، والملح الزائد لبعض آلياتها التي في نظامنا الإسلامي ما هو أفضل منها كـ"انتخاب النواب في مقابلة أهل الحل والعقد"، والسم هو: فلسفة الديمقراطية المنبثقة من فلسفة "الأنسنة" أو فلسفة "أن الله له الخلق والإنسان له الأمر"، كما يعبِّر عن ذلك الدكتور "محمد عمارة".

الإسلام والديمقراطية مواطن الاتفاق ومواطن الاختلاف عند الدكتور "محمد ضياء الريس":

وبعد أن قررنا اختيار "تفكيك مصطلح الديمقراطية" رأيتُ أن أنقل إليك كلام أحد كبار منظري الفكر السياسي في الإسلام، وهو الدكتور "محمد ضياء الريس" في مقارنته بين الإسلام والديمقراطية، والتي ختم بها كتابه الرائع: "النظريات السياسية في الإسلام".

فإليك كلامه مع بعض التعليقات التي وضعتُها بين قوسين، وبدأتُها بقولي: "قلتُ"، وثمة مواطن هامة من كلامه وضعتُ تحتها خطًا.

قال -رحمه الله-: "... الكلام على الموضوع الذي طالما شغل بال الباحثين أكثر من غيره، ونعني به تحديد العلاقة بين الإسلام و"الديمقراطية"، وهذه هي النقطة الأخيرة من هذا البحث:

الصفحة السابقة الصفحة التالية