شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الإسلام "والديمقراطية" مواطن الاتفاق ومواطن الاختلاف

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

فنظرة الإسلام إنسانية، وأفقه عالمي، وإن كان هذا لا يمنع -بل إن ذلك قد يكون ضروريًّا تحقيقًا للصالح العام، ويكون إذن واجبًا شرعيًّا- أن يوجد في داخل تلك الدائرة العامة دوائر خاصة إقليمية أو قومية من أجل التنظيم أو تحقيق أغراض وطنية أو محلية، لا تتعارض مع الأغراض العامة.

وإذا وجدت الروابط الأخرى: وهي وحدة الوطن، والأصل، واللغة، وغيرها... إلى جانب الرابطة الأساسية، وهي: "وحدة العقيدة"؛ كان هذا أقوى تأكيدًا لوجود الأمة وظهور الدولة.

ودليل ما تقدم -أي عمومية الرسالة- قوله -تعالى-: ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) (سبأ:28) ، وكذلك: ( قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ) (الأعراف:158) ، وقوله: ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ) (الأنبياء:107) .

الأمر الثاني: أن أهداف الديمقراطية الغربية الحديثة -أو أي ديمقراطية كانت في الأزمنة القاتمة- هي أغراض دنيوية أو مادية، فهي ترمي إلى تحقيق سعادة أمة أو شعب بعينه، من حيث تحقيق مطالبه في هذه الحياة الدنيا: ترمي إلى إنماء الثروة أو رفع الأجور مثلاً أو كسب حربي، ولكن النظام الإسلامي أو الديمقراطية الإسلامية -إن صح هذا التعبير- بينما تشمل مثل هذه الأغراض في الدنيا وتعطيها ما يجب لها من أهمية مع إبعاد فكرة التحيز القومي - تجمع إلى جانبها أغراضًا روحية، بل إن الأغراض الروحية هي الأولى وهي الأساس، وهي الأسمى.

قال ابن خلدون في تعريف الإمامة -كما رأينا من قبل-: إنها لتحقيق مصالح الناس الأخروية والدنيوية الراجعة إليها؛ إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة.

فدولة الإسلام يجب أن تنظر في أعمالها إلى الآخرة على أنها الغاية، وتقوم بكل أعمال الخير التي يأمر بها الدين، والتي تؤدي إلى رضوان الله وتحقق المطالب الروحية للإنسان، كما أنها تجعل الدين أو القانون الأخلاقي المقياس الذي تقيس به أعمالها وكل تصرفاتها.

الأمر الثالث: أن سلطة الأمة في الديمقراطية الغربية مطلقة، فالأمة -حقًا وعلى الإطلاق- هي صاحبة السيادة، هي -أو المجلس الذي تنتخبه- التي تصنع القانون أو تلغيه، والقرارات التي يصدرها هذا المجلس تصبح قانونًا واجب النفاذ، وتجب له الطاعة حتى وإن جاءت مخالفة للقانون الأخلاقي أو متعارضة مع المصالح الإنسانية العامة، فالديمقراطية الحديثة -مثلاً- تعلن الحرب من أجل سيادة شعب على غيره أو الاستيلاء على سوق، أو استعمار مكان أو احتكار منابع للنفط، وفي سبيل ذلك تسفك دماء لا تنتهي، وتزهق أرواح بشرية لا تعد، وتشقى الإنسانية كلها من أجل هذا!

ولكن في الإسلام ليست سلطة الأمة مطلقة هكذا، وإنما هي مقيدة بالشريعة بدين الله الذي اعتنقه والتزم به كل فرد منها، فهي لا تستطيع أن تتصرف إلا في حدود هذا القانون، وهذا القانون هو الذي يحتويه الكتاب والسنة، وإذا كان قد اعترف بأن إرادة الأمة الكلية أحد مصادر القانون؛ فالمفهوم أن هذه الإرادة تعتمد على ما جاء في الكتاب والسنة أيضًا في صورة ما، وقد خُولت هذا الحق نفسه بمقتضى أمر منهما، وإن كان فرض أن من خصائص إرادة هذه الأمة أنها لن تحيد عن الحق أي لن تنحرف عن المنهج الذي رسمه هذان المصدران.

فالأمة في الإسلام -أو إذا شئت في الديمقراطية الإسلامية- ملتزمة بالقانون الأخلاقي، ومقيدة بمبادئه، وقد فرض الدين عليها واجبات، وكلَّفها بمسئوليات، وقد سبق أن بينا ذلك حينما تكلمنا على الطبيعة العامة لفروض الكفاية التي هي واجبة على الأمة بأسرها.

النظام الإسلامي:

هذه إذن هي الفروق بين الديمقراطية والنظام الإسلامي.

وهنا نستطيع أن نجيب على السؤال الذي طال انتظاره لنا، والذي طلبنا الإجابة عليه في بداية البحث -وما كان يمكن الإجابة عليه قبل الآن-، وهو: وأين إذن مقر السيادة؟ أو مَن هو صاحب السيادة -بالمعنى الدستوري الحديث- في الدولة الإسلامية؟

فما دمنا قد أثبتنا أن الإسلام لا يتطابق مع أي من النظم السابقة التي عددناها فليس الحاكم إذن هو صاحب السيادة؛ لأن الإسلام ليس "أوتوقراطية"، ولا رجال الدين أو الآلهة؛ لأنه ليس "ثيوقراطية"، ولا القانون وحده؛ لأنه ليس "نوموقراطية"، ولا الأمة وحدها؛ لأنه ليس "ديمقراطية" بهذا المعنى الضيق.

وإنما الجواب الصحيح: أن "السيادة" فيه مزدوجة، فالسيد أمران مجتمعان ينبغي أن يظلا متلازمين، ولا يتصور قيام الدولة وبقاؤها إلا بوجود هذا التلازم .

هذان الأمران، هما:

1- الأمة.

2- القانون أو شريعة الإسلام.

فالأمة والشريعة -معًا- هما صاحبا السيادة في الدولة الإسلامية .

فالدولة الإسلامية إذن -على هذه الصورة- نظام فريد، خاص بالإسلام لا يصح القول بأنه يتطابق مع أي من النظم المعروفة؛ ولذا فإنه ينبغي أن يوضع لها اصطلاح خاص ، وتُسمى باسم يمثل حقيقتها، وما دام مثل هذا الاسم لم يُوضع أو لم يُهتدَ إليه بعد، فيُكتفى -الآن- بأن يشار إليها بصفة مجملة على أنها النظام الإسلامي.

فإن كان لابد من استعمال لفظ "ديمقراطية" -مع مراعاة الفوارق الأساسية التي بيناها سابقًا- فيمكن أن يوصف هذا النظام -على وجه تقريبي- بأنه "ديمقراطية"، إنسانية، عالمية، دينية، أخلاقية، روحية ومادية معًا، أو يجوز -وهذه المعاني ماثلة في الذهن- أن تجمع كل هذه الصفات في تعبير موجز، فيقال: إنها "الديمقراطية الإسلامية" انتهى . ( قلتُ: وفي هذا أهمية ألا نطلق القول بقبول الديمقراطية إلا مقيدة، وقد تمكن ممثلو الدعوة أن يجعلوا مقومات الدولة الإسلامية تقوم على الديمقراطية والشورى، وأثبتوا في محاضر جلسات التأسيسية أن الغرض بيان أننا بحكم كوننا مسلمين لا ينبغي أن نقبل الديمقراطية المطلقة، بل لابد من تقييدها بالشرع، وهذا مستفاد من كلمة شورى كما بينه الدكتور محمد عمارة -حفظه الله- ).

الصفحة السابقة الصفحة التالية