شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الإسلام "والديمقراطية" مواطن الاتفاق ومواطن الاختلاف

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

يرى كثير من الباحثين في العصر الحديث -ولاسيما في البلاد الإسلامية- أن هناك تشابهًا أو تطابقًا بين الإسلام والديمقراطية، ومع صرف النظر عن أنه ربما كان الذي دعا بعضهم إلى القول بهذا الرأي أن النظام الديمقراطي هو نوع الحكم السائد الآن في البلاد الغربية الذي تروج له الدعاية وتمتدح صفاته وتشيد بشأنه.

فلا شك في أن الباحث يستطيع أن يجد دعائم كثيرة صحيحة يمكن أن يستند إليها هذا الرأي، فبيْن الإسلام والديمقراطية أوجه تشابه أو تطابق عديدة، ولكن القول بهذا إنما يعبِّر فقط عن بعض الحقيقة، أما الحقيقة الكاملة فهي أن بينهما من التخالف مثل ما بينهما من التوافق ، بل ربما كان الأقرب إلى الصواب أن نقول: إن وجوه الخلاف تغلب، أو هي أهم من وجوه التماثل .

فأما بالنسبة إلى الأولى -أي وجوده التماثل- فإننا لا نحتاج إلى أن نعيد ما سبق أن قررناه وشرحناه من قبْل في خلال الفصول المطولة التي تألف منها الكتاب، وإنما يكفي أن نحيل من يريد البحث في هذا الموضوع إلى "الفصل السادس" الذي جعلنا عنوانه: "العقد السياسي ومسائله".

كما نحيله إلى ما كتبناه عن "مسئولية الحكم" في الفصل الحالي، وما ذكرناه في مواضع عديدة في غير هذين، فقد بيَّنَّا هناك الأساس الذي يقوم عليه بناء الدولة، وشرحنا طبيعة التعاقد، وحددنا مكانة الأمة وخصائص إرادتها، كما أوضحنا العلاقة بينها وبين الحاكم وعددنا المسئوليات السياسية؛ فلا نحتاج لأن نضيف إلى ما ذكرناه هنالك شيئًا، ومن ذلك كله يتبين أنه ليس فقط بين الإسلام -من الوجهة السياسية- والنظام الديمقراطي أوجه تشابه، بل إن أهم ما تحتوي عليه الديمقراطية من عناصر، وأفضل ما تتميز به من صفات يشتمل عليه الإسلام.

فإن كان يُراد بالديمقراطية أنها -كما عرَّفها لنكولن- حكم الشعب بواسطة الشعب من أجل الشعب، فهذا المعنى متمثل ( قلتُ: يعني به هنا أن يمارس الشعب سلطة الحكم دون السيادة حيث يمثِّل هذا أكبر مظاهر الخلاف بين الإسلام والديمقراطية -كما سيبين لاحقًا- ) ولا شك في نظام الدولة الإسلامية باستثناء أن الشعب ينبغي أن يُفهم في الإسلام على نحو مُعيَّن أو شامل -كما سنبين فيما بعد- ( قلتُ: يعني أن الأصل في الإسلام وجود دولة تضم جميع أبنائه ).

وإن كان يُراد بالديمقراطية ما صار يُقرن بها عادة من وجود مبادئ سياسية أو اجتماعية معينة، مثل: مبادئ المساواة أمام القانون، وحرية الفكر والعقيدة، وتحقق العدالة الاجتماعية، وما إلى ذلك، أو كفالة حقوق معينة: كحق الحياة، والحرية، والعمل، وما أشبه - فلا شك أيضًا أن كل تلك المبادئ متحققة، وهذه الحقوق مكفولة في الإسلام، وقد اتضح جانب من ذلك مما ذكرناه في مناسبات سابقة من الكتاب، ويحتاج البعض الآخر إلى شرح خاص ينبغي أن يفرد له بحث على حدة، ولكنه مفهوم بصفة عامة من روح الإسلام وطبيعة تشريعه.

غير أنه ينبغي أن يُلاحظ أن نظرة الإسلام إلى هذه الحقوق من حيث المنشأ الطبيعي قد تختلف، فقد تعتبر حقوقًا لله، وقد تعتبر حقوقًا مشتركة بين الله والعباد، وقد تعتبر نعمًا لا حقوقًا أو تقرر على أنها هي الأصل في الأشياء أو أنها هي القانون الذي وضعه الله للوجود أو الفطرة، ولكن مع كل ذلك لا يؤثر هذا الاختلاف في النظرة في طبيعة تلك الخصائص أو الحالات؛ والنتيجة واحدة، وهي أن الإنسان تضمن له كل هذه الأمور، والواقع أن الشريعة الإسلامية إنما ترمي إلى أن تحقق العدالة المطلقة في أكمل صورها، وأن توفر للإنسان أسمى وأكرم حياة "يمكن أن تتوفر" تليق بإنسانيته ( قلتُ: وكل هذه المعاني حق في ذاتها، ولكن المفهوم الغربي الليبرالي لها مخالف للشريعة؛ ولذلك حرص ممثلو الدعوة السلفية في دستور 2012م على وجود المادة 81 الضابطة لباب الحقوق والحريات بألا تخالف النظام العام المنصوص عليه في الدستور، ومنه: الشريعة ).

أما إن كان المراد من الديمقراطية ما تعورف على أن نظامها يستتبعه، وهو تحقق مبدأ الفصل بين السلطات، فهذا أيضًا ظاهر في النظام الإسلامي.

فالسلطة التشريعية هنا -وهي أهم السلطات في أي نظام ديمقراطي- مودعة في الأمة كوحدة ومنفصلة عن سلطة الإمام أو رئيس الدولة.

فالتشريع يصدر عن الكتاب والسنة أو إجماع الأمة أو الاجتهاد، وهو بهذا مستقل عن الإمام، بل هو فوقه، والإمام ملزم ومقيد به؛ وما الإمامة في الحقيقة إلا رئاسة السلطة التنفيذية، والقضاء مستقل أيضًا؛ لأنه لا يحكم وفقًا لرأي الحاكم أو الرئيس، وإنما يحكم وفقًا لأحكام الشريعة، أي أمر الله، ولا يمكن أن يحكم -إن أريد له أن يبقى قضاءً إسلاميًّا- إلا هكذا ( قلتُ: لعل الأدق أن يُقال: إن النظام الإسلامي عرف التمييز بين السلطات، وليس الفصل بينها بالمعنى الديمقراطي الحديث، والذي تحدد صلاحيات كل سلطة نصوص دستورية صارمة )" إلى أن قال موضحًا أهم الفروق بين الديمقراطية والإسلام:

" خصائص دولة الإسلام: لكننا نعود بعد ذلك لنبيِّن أوجه الخلاف بين الإسلام والديمقراطية، وهي وجوه ذات أهمية كبرى، فبعد معرفتها يظهر أنه يكون من الخطأ الكبير أن يظن أنهما شيء واحد، أو أن نظاميها متطابقان، ومع أن هناك فوارق عديدة إلا أنا نقتصر على ذكر أهمها.

فأهم الفوارق إذن بين الديمقراطية والإسلام هي الأمور الثلاثة الآتية:

الأمر الأول: أن المراد بكلمة "شعب" أو "أمة" في الديمقراطية الحديثة كما هي معروفة في عالم الغرب أنه شعب محصور في حدود جغرافية يعيش في إقليم واحد تجمع بين أفراده روابط من الدم، والجنس، واللغة، والعادات المشتركة، أي: أن الديمقراطية مقترنة -لا محالة- بفكرة "القومية" أو "العنصرية"، وتسايرها نزعة التعصب أو العصبية، ولا كذلك الإسلام.

فالأمة عنده أصلاً ليست هي التي تربط بينها وحدة المكان أو الدم أو اللغة، فهذه روابط صناعية أو عارضة أو ثانوية؛ ولكن الرابطة -أصلاً- هي الوحدة في العقيدة: أي في الفكرة والوجدان، كل مَن اعتنق فكرة الإسلام -من أي جنس أو لون أو وطن- فهو عضو في دولة الإسلام.

الصفحة السابقة الصفحة التالية