شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الطريق إلى ثقافتنا (1)

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

تعريف الثقافة، وموضع اللغة والدين والأخلاق منها

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

ففي وقت يحاول فيه البعض أن يقصر معنى المثقف على مَن اشتغل بالآداب والفنون، بل على أنواع معينة فيها، يجدر بنا أن نتساءل: هل هذه هي ثقافتنا؟!

وإذا لم تكن فما هي ثقافتنا... ؟!

وما الذي حال بيننا وبينها؟

وما السبيل للعودة إليها؟

سيكون من المفيد جدًّا أن تجد إجابات شافية على هذه الأسئلة لا سيما إذا جاءت ممن يقر له هؤلاء المثقفون بالريادة الثقافية، فلا يشك منهم أحد أنه فارس في ميدان النقد الأدبي كانت له مع كبارهم صولات وجولات، وعجز أسلافهم عن مجاراته في التمكن من العربية؛ لا سيما جانب "التذوق" الذي صك فيه نظرية طبقها في كتاباته لا سيما كتابه عن "المتنبي"، وأشار في مقدمته إليها إشارات عابرة ثم فصلها في كتاب ذائع الصيت هو "الطريق إلى ثقافتنا"، إنه العلامة "محمود محمد شاكر".

كان الغرض من هذا الكتاب أن يشرح الأستاذ نظريته في التذوق ولكن مرارة "مدعي الثقافة" غلبت على مذاق اللغة الجميلة في نفسه وروحه؛ فأخرج كتابه هذا نفثة مهموم، وتأوه مكلوم، وصيحة تحذير من الثقافة الوافدة.

وهنا ترك لقلمه العنان لكي يلخص لك قرونًا من الصراع بين الحق والباطل مما جعل بحثه يخرج عن نطاق فلسفة اللغة إلى فلسفة التاريخ، ورغم لذة التطواف معه في دروب عقله إلا أن هذا ربما يمنع كثيرًا من القراء من الإحاطة بفوائده، ولذلك فسوف أقدم لك اختصارًا وترتيبًا لأهم فوائده.

والتي يمكن تلخيصها في النقاط الآتية:

1- تعريف الثقافة، وموضع اللغة والدين والأخلاق منها.

2- الاستشراق وكيف بدأ بالنهل من ثقافتنا ثم صار حربًا عليها.

3- الصراع بين النهضتين: "الإسلامية، والأوروبية" في القرن السابع عشر الميلادي.

4- الحملة الفرنسية وسياسة تدجين أهل الدين في بلادنا.

5- التغريب في الثقافة والتعليم في عهد الاحتلالين: "الفرنسي، والإنجليزي".

وسوف نكتفي في هذه المقالة ببيان المقصد الأول وهو المتعلق بالثقافة.

تعريف الثقافة، وموضع اللغة والدين والأخلاق منها:

تعرض الأستاذ "محمود شاكر" في أكثر من موضع في رسالته لتعريف الثقافة وعلاقتها باللغة التي يرى أنها الوعاء الجامع للثقافة، وكذلك علاقتها بالدين الذي يرى أنه يمثِّل قمة الهرم المعرفي لكل أمة.

فقال: "الثقافة في جوهرها لفظ جامع يقصد بها الدلالة على شيئين أحدهما مبني على الآخر، أي هما طوران متكاملان.

الطور الأول: أصول ثابتة مكتسبة تنغرس في "نفس الإنسان" منذ مولده ونشأته الأولى حتى يشارف حد الإدراك البين، جماعها كل ما يتلقاه عن أبويه وأهله وعشيرته ومعلميه ومؤدبيه حتى يصبح قادرًا على أن يستقل بنفسه وبعقله، وتفاصيل ما يتلقاه الوليد حتى يترعرع أو يراهق تفوت كل حصر، بل تعجزه.

وهذه الأصول ضرورة لازمة لكل حي ناشئ في مجتمع ما لكي تكون له "لغة" يبين بها عن نفسه، و"معرفة" تتيح له قسطًا من التفكير يعينه على معاشرة من نشأ بينهم من أهله وعشيرته، وهذا على شدة وضوحه عند النظرة الأولى لأنك ألفته، لا لأنك فكرت فيه وعمَّقت التفكير هو في حقيقته سر ملثـَّمٌ يحيِّر العقول إدراك دفينه؛ لأنه مرتبط أشد الارتباط، بل متغلغل في أعماق سرَّين عظيمين غامضين هما: سر "النطق"، وسر "العقل" اللذان تميز بهما "الإنسان" من سائر ما حوله من الخلق كله، وتحيرت عقول البشر في كيف جاءا؟ وكيف يعملان؟ لأن "الإنسان" لم يشهد خلق نفسه حتى يستطيع أن يستدل بما شهد لكي يصل إلى خبئ هذين السرين الملثمين المستغلقين البعيدين، وإن توهم أحيانًا بالإلف أنهما قريبان واضحان.

ولأن الإنسان منذ مولده قد استودع فطرة باطنة بعيدة الغور في أعماقه توزعه "أي تلهمه وتحركه" أن يتوجه إلى عبادة رب يدرك إدراكًا مبهمًا أنه خالقه وحافظه ومعينه، فهو لذلك سريع الاستجابة لكل ما يلبي حاجة هذه الفطرة الخفية الكامنة في أغواره، وكل ما يلبي هذه الحاجة هو الذي هدى الله عباده أن يسموه "الدين"، ولا سبيل البتّة إلى أن يكون شيء من ذلك واضحًا في عقل الإنسان إلا عن طريق " اللغة" لا غير؛ لأن "العقل" لا يستطيع أن يعمل شيئًا فيما نعلم إلا عن طريق "اللغة"، فالدين واللغة منذ النشأة الأولى متداخلان تداخلاً غير قابل للفصل.

ومن أغفل هذه الحقيقة ضل الطريق وأوغل في طريق الأوهام، هذا شأن كل البشر على اختلاف مللهم وألوانهم، لا تكاد تجد أمة من خلق الله ليس لها "دين" بمعناه العام، كتابيًّا كان أو وثنيًّا أو بِدْعًا "البِدْعُ: الدين ليس له كتاب أو وثن معبود".

ولذلك، فكل ما يتلقّاه الوليد الناشئ في مجتمع ما، من طريق أبويه وأهله وعشيرته ومعلميه ومؤدبيه من "لغة" و"معرفة" يمتزج امتزاجًا واحدًا في إناء واحد، ركيزته أو نواته وخميرته دين أبويه ولغتهما، وأبلغهما أثرًا هو "الدين"، فالوليد في نشأته يكون كل ما هو "لغة" أو "معرفة" أو "دين" متقبلاً في نفسه تقبل "الدين"، أي يتلقاه بالطاعة والتسليم والاعتقاد الجازم بصحته وسلامته، وهذا بين جدًّا إذا أنت دقّقت النظر في الأسلوب الذي يتلقّى به أطفالك عنك ما يسمعونه منك، أو من المعلم من المراحل الأولى من التعليم.

ويظل حال الناشئ يتدرج على ذلك، لا يكاد يتفصّى شيء من معارفه من شيء -يتفصّى: أي يتخلص من هذا المضيق- حتى يقارب حد الإدراك والاستبانة، ولكنه لا يكاد يبلغ هذا الحد حتى تكون لغته ومعارفه جميعًا قد غمست في "الدين" وصبغت به.

الصفحة التالية