شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الطريق إلى ثقافتنا (1)

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

وعلى قدر شمول "الدين" لشئون حياة الإنسان، وعلى قدر ما يحصل من الناشئ يكون أثره بالغ العمق في لغته التي يفكر بها، وفي معارفه التي ينبني عليها كل ما يوجبه عمل العقل من التفكير والنظر والاستدلال -" قلتُ: ولهذا كان الإسلام أكثر تأثيرًا في حياة أتباعه من أي دين آخر، وأي محاولة لقياس الإسلام على غيره في هذه الحيثية تؤدي حتمًا إلى نتائج خاطئة، ومنها: العالمانية أو فصل الدين عن الحياة، والتي تحتملها أصول كثير من الأديان وتأباها أصول الإسلام الذي جاء فيه: ( قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) (الأنعام:162) "- فهذه هي الأصول الثابتة المكتسبة في زمن النشأة على وجه الاختصار.

الطور الثاني: فروع منبثقة عن هذه الأصول المكتسبة بالنشأة، وهي تنبثق حين يخرج الناشئ من إسار التخسير إلى طلاقة التفكير.

وإنما سميت "الطور الأول": "إسار التخسير"؛ لأنه طور لا انفكاك لأحد من البشر منه منذ نشأته في مجتمعه، فإذا بلغ مبلغ الرجال استوت مداركه، وبدأت معارفه يتفصّى بعضها من بعض أو يتداخل بعضها في بعض، ويبدأ العقل عمله المستتب في الاستقلال بنفسه، ويستبد بتقليب النظر والمباحثة وممارسة التفكير والتنقيب والفصح، ومعالجة التعبير عن الرأي الذي هو نتاج مزاولة العقل لعمله، فعندئذٍ تكون النواة الجديدة لما يمكن أن يُسمى "ثقافة".

وبيِّنٌ أن سبيله إلى تحقيق ذلك هو "اللغة" و"المعارف" الأُول التي كانت في طورها الأول مصبوغة بصبغة "الدين" لا محالة، حتى لو استعملها في الخروج على "الدين الموروث" ومناقشته رفضًا له أو لبعض تفاصيله، هذه حال النشء الصغار حتى يبلغوا منزلة الإدراك المستقل المفضي إلى حيز "الثقافة".

و"ثقافة" كل أمة وكل "لغة" هي حصيلة أبنائها المثقفين بقدر مشترك من أصول وفروع، كلها مغموس في "الدين" المتلقّى عند النشأة، فهو لذلك صاحب السلطان المطلق الخفي على اللغة وعلى النفس وعلى العقل جميعًا، سلطان لا ينكره إلا من لا يبالي بالتفكر في المنابع الأول التي تجعل الإنسان ناطقًا وعاقلاً ومبينًا عن نفسه، ومستبينًا عن غيره".

ويتحدث في موطن آخر عن موضع الدين من الثقافة ثم يدلف منه إلى موقع الأخلاق منها، فيقول: "ورأس كل ثقافة هو الدين بمعناه العام والذي هو فطرة الإنسان؛ أي دين كان أو ما كان في معنى الدين، وبقدر شمول هذا الدين لجميع ما يكبح جموح النفس الإنسانية ويحجزها عن أن تزيغ عن الفطرة السوية العادلة، وبقدر تغلغله إلى أغوار النفس الإنسانية تغلغلاً يجعل صاحبها قادرًا على ضبط الأهواء الجائرة ومريدًا لهذا الضبط، بقدر هذا الشمول وهذا التغلغل في بنيان الإنسان تكون قوة العواصم التي تعصم صاحبها من كل عيب قادح في مسيرة ما قبل المنهج، ثم في مسيرة المنهج الذي ينشعب من شطره الثاني، وهو شطر "التطبيق".

وهذا الذي حدثتك عنه، ليس خاصا بأمة، بل هو شأن كل جيل من الناس وكل أمة من الأمم، كان لها "لغة" و كان لها "ثقافة"، وكان لها بعد تمام ذلك "حضارة" مؤسَّسة على لغتها وثقافتها.

فهذا "الأصل الأخلاقي" هو العامل الحاسم الذي يمكن لثقافة الأمة بمعناها الشامل أن تبقى متماسكةً مترابطةً تزداد على مر الأيام تماسكًا وترابطًا بقدر ما يكون في هذا "الأصل الأخلاقي" من الوضوح والشمول والتغلغل والسيطرة على نفوس أهلها جميعًا".

ثم ذكر مبيِّنًا أثر الأخلاق الإسلامية في نشأة كثير من العلوم الإسلامية لا سيما المتعلقة بعلوم القرآن والسنة، وكيف بني ذلك على قواعد التثبت في الأخبار، وكذلك التأصيل لمسألة ارتباط العلم بالآداب التي ألح عليها الكثير ممن صنفوا في آداب طالب العلم.

فقال: "كان ينبغي هنا أن أُتمّم القول في نشأة "الأصل الأخلاقي" الذي بُنيت عليه ثقافتنا منذ حدث أول خلاف بعد وفاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، بين أبي بكر وعمر وزيد بن ثابت في جمع القرآن العظيم وكتابتِه بين دفـَّتَين، ثم ما تلا ذلك من طلب التوثق في رواية حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ثم ما كان من أمر علماء الصحابة في الفتوى، ثم ما كان في أمر التابعين ثم مَن بعدهم، حتى نشأ علم الجرح والتعديل؛ وهو علم فريد لا مثيل له عند أمة من الأمم, ثم غلبة هذا "الأصل الأخلاقي" على الثقافة العربية الإسلامية كلها في جمع علومها، وعناية هذه الأمة بإفراد هذا الأصل بالتأليف، كالذي ألفوه في آداب العالم والمتعلم، والفقيه والمتفقّه، وعلم النظر والمناظرة، وعلم الجدل، وعلم آداب الدرس، إلى غير ذلك مما هو اليوم مجهول أو كالمجهول؛ لانصراف الناس عنه وتركهم جمع شتاته وإعادة النظر فيه".

العلوم "عالمية" وأما الثقافات فمتعددة بتعدد الملل:

وكفرع على مكان الدين والأخلاق واللغة من الثقافة صار من المستحيل أن تتطابق الثقافات وإن أمكن التأثير المتبادل "نتيجة وجود مكونات أخرى للثقافة قابلة للنقل"، مع أن هذا يقتضي التمحيص التام عند نقل شيء من ثقافات أمم أخرى في أنه لا يتعارض مع "دين أو خلق أو لغة" الأمة الناقلة.

فقال في بيان ذلك: "فالثقافات متعددة بتعدد الملل، ومتميزة بتميز الملل، ولكل ثقافة أسلوب في التفكير والنظر والاستدلال منتزع من "الدين" الذي تدين به لا محالة، فالثقافات المتباينة تتحاور وتتناظر وتتناقش، ولكن لا تتداخل تداخلاً يفضي إلى الامتزاج البتّة، ولا يأخذ بعضها عن بعض شيئًا إلا بعد عرضه على أسلوبها في التفكير والنظر والاستدلال، فإن استجاب للأسلوب؛ أخذته وعدلته وخلصته من الشوائب، وإن استعصى نبذته وأطرحته.

الفرق بين الثقافة والعلم:

الصفحة السابقة الصفحة التالية