الطريق إلى ثقافتنا (1)
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
ثم قال منوِّهًا على الفرق بين الثقافة والعلم: "وهذا باب واسع جدًّا ليس هذا مكان بيانه، ولكني لا أفارقه حتى أنبهك لشيء مهم جدًّا؛ هو أن تفصل فصلاً حاسمًا بين ما يُسمى "ثقافة" وبين ما يسمى اليوم "علمًا" -أعني العلوم البحتة-؛ لأن لكل منهما طبيعة مباينة للآخر، فالثقافة مقصورة على أمة واحدة تدين بدين واحد، والعلم مشاع بين خلق الله جميعًا، يشتركون فيه اشتراكًا واحدًا مهما اختلفت الملل والعقائد" ( قلتُ: المقصود بالعلم هنا هو العلوم التجريبية التي تبحث في المادة، وأما العلوم الإنسانية ففيها شبه من هذا ومن ذاك، وإن كانت إلى الثقافة أقرب، مما يعني أن النقل فيها لابد أن يكون بحذر ووفق الضوابط التي أشار إليها ).
خلاصة القول في كتابات المستشرقين:
لقد عرض الأستاذ "محمود شاكر" للاستشراق في نشأته -وهو ما سنعرض له في باقي السلسلة إن شاء الله- غير أن الذي يعنينا هنا هو أن نسجل ما انتهى إليه حول مدى صلاحية كتابات المستشرقين أن تكون مراجع لثقافتنا.
فقال: "وبيِّنٌ لك الآن بلا خفاء أن كتب "الاستشراق" ومقالاته ودراساته كلها، مكتوبة أصلاً للمثقف الأوروبي وحده لا لغيره، وأنها كتبت له لهدف معين، في زمان معين، وبأسلوب معين، لا يراد به الوصول إلى الحقيقة المجردة، بل الوصول الموفق إلى حماية عقل هذا الأوروبي المثقف من أن يتحرك في جهة مخالفة للجهة التي يستقبلها زحف المسيحية الشمالية على دار الإسلام في الجنوب، وأن تكون له نظرة ثابتة هو مقتنع كل الاقتناع بصحتها، ينظر بها إلى صورة واضحة المعالِم لهذا العالَم العربي وثقافته وحضارته وأهله.
وأن يكون قادرًا على خوض ما يخوض فيه من الحديث، مع مَن سوف يلاقيهم أو يعاشرهم من المسلمين، وفي عقله وفي قلبه وفي لسانه وفي يقينه، وعلى مد يده معلومات وافرة يثق بها، ويطمئن إليها، ويُجادل عليها دون أن تضعفَ له حمية أو تلين له قناة، أو يتردد في المنافَحة عنها أو يتلجلج، أيًّا كان الموضوع الذي تدفعه المفاوضة إلى الخوض فيه.
و"الاستشراق" لا يُذم لأنه فعل كل ذلك؛ لأنه بلا شك قد أدى ما عليه لبني جلدته أحسن أداء وأتمه، ونصر أهل دينه وأخلص لهم كل الإخلاص، وكافح في سبيل هدفه بكل سلاح أجاد صقله وتقويمه، أما الذي هو حقيق بالذم والمعابة فالعاقل الذي يظن نفسه عاقلاً والبصير الذي يظن نفسه بصيرًا ثم لا يكاد عقله يدرك شيئًا هو أبين بيانًا من البداءة المسلَّمة، ولا يكاد بصره يرى ما هو أظهر ظهورًا من الشمس الساطعة!
فما كتبه الاستشراق من حيث هي كتب أو دراسات مكتوبة للمثقف الأوروبي خاصة "ولهدف بعينه" حقيقة باحترام كل أوروبي مثقف أو من كان بمنزلة الأوروبي المثقف في الغربة عن العربية والإسلام؛ لأنها يسرت له ما لم يكن ليتيسر البتة: أن يعرف أشياءً كثيرة متنوعة هو من عالمها غريب كل الغربة، وأن يرى عالمها في صورة واضحة مصورة بمهارة، ومصنوعة بأسلوب مقنع مقبول لا يرفضه عقله، بل لعله يرتضيه كل الرضا، ولأن هذا العالم الذي يراه مصورًا عالم غريب عنه، ولا سبيل له إلى معرفة الحقيقة فيه؛ لولا الجهد العظيم الذي بذله دهاقين المستشرقين الكبار في تصويره، فهو غير حريص بعد ذلك على التحقق من صحة التفاصيل التي تكونت منها الصورة، ولا هو قادر على التشكك في سلامتها من الآفات، ولا يخطر بباله أن يسأل نفسه: أهي صادقة أم كاذبة؟ أهي مطابقة للحقيقة أم غير مطابقة للحقيقة؟
أما من حيث هي كتب أو دراسات علمية جديرة باحترام مثقف غير أوروبي، أي من أبناء العرب والمسلمين خاصة، أي أبناء لغة العرب وأبناء دين الإسلام، فهذا عندئذٍ موضع نظر؛ لأن الأمر ولا خيار لي أو لك فيه يختلف اختلافًا بينًا حينئذٍ، ويتطلب النظر في أمرين: أمر الكاتب وأمر المكتوب معًا، وهذا يردك لا محالة إلى ما كتبته لك آنفًا في شأن "المنهج" و"ما قبل المنهج" سواء كان الكاتب عربيًّا أو غير عربي "أي مستشرقًا أوروبيًّا".
فثقافة كل أمة مرآة جامعة في حيزها المحدود كل ما تشعث وتشتت وتباعد من ثقافة كل فرد من أبنائها على اختلاف مقاديرهم ومشاربهم ومذاهبهم، ومداخلهم ومخارجهم في الحياة، وجوهر هذه المرآة هو "اللغة"، و"اللغة" و"الدين" -كما أسلفت- متداخلان تداخلاً غير قابل للفصل البتّة.
فباطل كل البطلان أن يكون في هذه الدنيا على ما هي عليه "ثقافة" يمكن أن تكون "ثقافة عالمية"، أي ثقافة واحدة يشترك فيها البشر جميعًا ويمتزجون على اختلاف لغتهم ومللهم ونحلهم وأجناسهم وأوطانهم، فهذا تدليس كبير، وإنما يراد بشيوع هذه المقولة بين الناس والأمم هدف آخر، يتعلق برفض سيطرة أمة غالبة على أمم مغلوبة لتبقى تبعًا لها".
وللحديث بقية -إن شاء الله-...