شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مليونية "21-6-2013م" وإجماع القوى الإسلامية

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد دعت بعض القوى الإسلامية إلى مليونية يوم "21-6-2013م" تحت عنوان: "لا للعنف" مما يعني أنها بحسب عنوانها ليست لنصرة الرئيس "محمد مرسي"، وأنها لا تعدو أن تكون رسالة للمجتمع لنبذ العنف؛ لا سيما متظاهري "30-6".

ثم أضاف الأستاذ "خالد الشريف" المتحدث باسم حزب "البناء والتنمية" أن المليونية ليست لتأييد الرئيس، وإنما لرفع مطالب الشعب إليه.

وقد أصدرت "الدعوة السلفية" بيانًا أكدت فيه على حق مؤيدي الرئيس ومعارضيه على حد سواء في تنظيم أية فاعليات سلمية، وحذَّرت من العنف أيًّا كان مصدره، وأعلنت أن موقفها هو عدم المشاركة في أية فاعليات "لا مؤيدة ولا معارضة"؛ تجنبًا للاستفزاز الذي قد يجر البلاد إلى العنف، لا سيما وأن معظم الفاعليات الأخيرة التي نظمهما مؤيدو الدكتور "مرسي" تضمنت إشارات تكفير وتلويح بعنف قد يؤخر الدعوة إلى الوراء.

واندفعت بعض القنوات الإسلامية، وبعض المواقع على الإنترنت لتصف موقف "الدعوة السلفية" بأنه خروج عن الإجماع الإسلامي أو الصف الإسلامي أو المغردين خارج السرب... إلى غير ذلك من الأوصاف التي تروم إثناء المراقب للموقف عن تدبر الحجج والبراهين إلى التسليم بأن ثمة إجماعًا إسلاميًّا واجب الاتباع، وأن هناك جماعة قد شذت، بل الشذوذ لم يصبها كلها وإنما نجا منهم فلان أو فلان، ويبحثون هنا أوهناك عن أي قيادة ذات رأي مخالف داخل "الدعوة السلفية" ليثبتوا رأيهم!

ولنا ها هنا عدة وقفات:

الأولى: من المعلوم أن جماعة الإخوان من أكثر الجماعات التزامًا بما تسفر عنه الشورى الداخلية للجماعة حتى إنهم عندما قرروا في أول الأمر عدم تقديم مرشح للرئاسة وقرر الدكتور "أبو الفتوح" التقدم لها واستقال أو أقيل من الجماعة ثم عدلت الجماعة عن رأيها وقررت خوض انتخابات الرئاسة - لم يدعموا الدكتور "أبو الفتوح"، بل نافسوه، بل وخطأوا كل من حاول دعمه من باب أنه لم يلتزم بالشورى الداخلية فلا يصلح للقيادة، وهذا كلام "جهاد الحداد" والدكتور "غزلان".

ودعك من مسألة الليبرالية هذه التي ادعاها بعض السلفيين المؤيدين للدكتور "مرسي"؛ لأن الواقع العملي للدكتور "مرسي" لا يختلف قط عن تلك الليبرالية المدعاة! ولأن الدكتور "عصام العريان" أحد أبرز ممثلي التيار الليبرالي داخل الإخوان ما زال نائب رئيس حزب الحرية والعدالة ورئيس كتلتهم البرلمانية في مجلس الشورى، ومن باب "إتمام الفائدة" فيجب أن يُنتبه إلى أن الخلاف بين الليبراليين والأصوليين داخل الإخوان خلاف تنظيمي، حيث يميل الأولون للانفتاح على المجتمع بينما يميل الآخرون للانغلاق، وأما الترخص فمشترك بينهما، ولكن الأولون يجعلونه دينًا ثابتًا والآخرون يجعلونه رخصة إلى أن يقوم ويستقر الحكم الإسلامي؛ مما يعني الاتفاق شبه التام بينهما في المدى القريب، بل والبعيد!

المهم هنا هو: تأكيد أهمية الالتزام بالشورى الداخلية داخل جماعة الإخوان، فلماذا إذن يفتشون في صفوف غيرهم عن أي مخالف لرأي الجماعة لكي ينشروه ويضغطوا عليهم به؟!

وإذا كان لدى غيرهم الكثير من الاعتبارات الأدبية التي تحول دون اتخاذ موقف حاد تجاه قيادات تاريخية لمجرد مخالفة إدارية؛ فهل من المروءة استغلال تلك الثغرة في كل موقف خلافي؟!

ويشبه هذا الأمر أو يقترب منه ثناء بعض السلفيين على الإخوان بكونهم منظَّمين تنظيمًا جيدًا في ذات الوقت الذي ما زال ينتقد الدعوة السلفية؛ لأنها تعمل عملاً جماعيًّا!

الثانية: محاولة استصحاب الإجماع الذي هو حجة في دين الله في هذه المواقف ليس سديدًا، على أنه لا ينطبق؛ لأن الإجماع إنما هو إجماع مجتهدي الأمة على حكم شرعي في عصر من العصور بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وإذا وجدنا أنه لا يكاد يوجد مجتهد في أي كيان من هذه الكيانات فتسامحْنا فأخذنا طلبة العلم المميزين، فسنجد أن كثيرًا من هذه الكيانات لا تملك حتى طلبة علم؛ فكيف يُتحدث عن اجتهاد؟!

بل إن الكيان الأبرز "وهم الإخوان" خالفوا الرجل الذي ما فتئوا يصفونه بأنه أعلم أهل الأرض وهو الدكتور "القرضاوي"، وخالفوه في مسائل هامة، منها: انتخاب الدكتور "أبو الفتوح"، ومنها: الموقف من الشيعة.

ثم في النهاية إذا خالف فرد واحد من المعدودين في الإجماع وليس كيانًا بأكمله فلا يعد هذا إجماعًا.

قد يقول قائل: لمْ نقصد الإجماع بهذا المعنى، وإنما قصدنا الكثرة التي تشابه مصطلح "الجمهور" عند الفقهاء.

فنقول: لا يوجد مَن يقول بأن قول الجمهور حجة، وكم من عالم خالف قول الجمهور على مر العصور، غير أن ادعاء أن في المسألة جمهورًا أيضًا توسع لا يحتمله الموقف.

وبيان ذلك كالآتي:

1- بعض الرموز السلفية أعلنت منذ بداية عهد ما بعد الثورة أن "الإخوان هم رجال المرحلة"، ومع ذلك أسسوا أحزابًا سياسية ولم ينخرطوا في حزب الحرية والعدالة، ثم لما جاءت الانتخابات أرسلوا أحزابهم للتحالف مع "حزب النور" بينما أيدوا هم رجال المرحلة، فهل يمكن الاعتراف بحزب كهذا عندما نعد مواقف الأحزاب أم أن هذه الأحزاب محكومة بموقف الإخوان جزمًا؟!

2- هل يمكن إغفال الوزن النسبي لكل كيان؟ وهل تستوي الأحزاب المنبثقة عن دعوات مع تلك الأحزاب التي هي مجرد أحزاب سياسية، ولا نعلم أن هناك أحزابًا منبثقة عن جماعات إلا: "الحرية والعدالة - النور - البناء والتنمية - ثم حزب جماعة الجهاد مع بعض الأحزاب السرورية التي تمثل تجمعات سرورية صغيرة في بعض المدن".

3- هل نلتزم في التقييم بعدم إدراج المخالفين للسنة أم يمكن إدراج المخالفين للسنة؟ فإذا كان من المعدودين في تأييد موقف ما الجماعات القطبية فإن الاتجاهات المدخلية ليست بأبعد منهم عن السنة، فإما أنْ تستبعدْهما أو تضمهما.

الصفحة التالية