الطريق إلى ثقافتنا (2)
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
الاستشراق من سرقة ثقافتنا إلى الغارة عليها
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد عرضنا في المقالة الأولى من هذه السلسلة إلى بيان أهم مقاصد كتاب "الطريق إلى ثقافتنا"، والتي لخصناها في النقاط التالية:
1- تعريف الثقافة، موضع اللغة والدين والأخلاق منها.
2- الاستشراق وكيف بدأ بالنهل من ثقافتنا ثم صار حربًا عليها!
3- في القرن السابع عشر الميلادي نهضة أوروبية وأخرى إسلامية، وكيف عمل الاستشراق ثم الاستعمار على وأد يقظتنا لصالح يقظتهم.
4- الحملة الفرنسية وسياسة تدجين أهل الدين في بلادنا.
5- التغريب في الثقافة والتعليم في عهد الاحتلالين: "الفرنسي والإنجليزي".
ثم فصلنا ما يتعلق بالنقطة الأولى، ونشرع في هذه المقالة في بيان النقطة الثانية والتي احتلت جزءًا كبيرًا من الكتاب، وهي وإن كانت بعيدة بعض الشيء عن موضوع الكتاب، بل إنها خرجت عن علوم اللغة إلى علم "فلسفة التاريخ" وهو علم شريف قلَّ من اعتنى به حيث يهتم دارسوه بمحاولة تفسير الظواهر التاريخية على اعتبار أن للأمم عقلاً جمعيًّا وإرادة جمعية تتشكل من خلال الفرص والتحديات، وتؤثر وتتأثر بثقافة تلك الأمم، ومن هنا عرج الأستاذ "محمود شاكر" على الصراع بين الإسلام وبين أوروبا الذي تكرر وصفه لها بالشمالية "على خلاف معظم الكتاب الذين عادة ما يشيرون إليها بالغرب رغم أن كون أوروبا في الشمال من العالم الإسلامي قد يكون أقرب".
لقد ربط الأستاذ "محمود شاكر" بين الإخفاق العسكري المتكرر للغرب أمام الإسلام والذي بلغ ذروته بعودة الحملات الصليبية تجر ذيول الهزيمة رغم بقائها قرنين من الزمان في ديار الإسلام، فمن هنا نشأت فكرة الاستفادة من الطاقة الثقافية لدى أمة الإسلام، ومن هنا بدأ الاستشراق ليكتشف المستشرقون أن بإمكانهم الذهاب أبعد من ذلك بحرمان الأمة من ثقافتها الأصلية وتزويدها بثقافة وافدة تنمي تبعيتها للغرب وتقتل ريادتها.
يقول العلامة "محمود شاكر" مبيِّنًا مراحل ذلك الصراع:
"والآن تستطيع أن تتبين أربع مراحل واضحة للصراع الذي دار بين المسيحية الشمالية والإسلام:
المرحلة الأولى:
صراع الغضب لهزيمة المسيحية في أرض الشام ودخول أهلها في الإسلام، فبالغضب أمَّلت اختراق دار الإسلام لتسترد ما ضاع، تدفعها بغضاء حيَّة متسامحة، لم تمنع ملكًا ولا أميرًا ولا راهبًا أن يمد المسلمين بما يطلبونه من كتب علوم الأوائل "الإغريق" التي كانت تحت يد المسيحية يعلوها التراب، وظل الصراع قائمًا لم يفتر أكثر من أربعة قرون.
المرحلة الثانية:
صراع الغضب المتفجر المتدفق من قلب أوروبا مشحونًا ببغضاء جاهلية عاتية، عنيفة مكتسحة، مدمرة سفاحة للدماء؛ سفحت أول ما سفحت دماء أهل دينها من رعايا البيزنطية، جاءت تريد هي الأخرى اختراق دار الإسلام، وذلك عهد الحروب الصليبية الذي بقي في الشام قرنين، ثم ارتد خائبًا إلى مواطنه في قلب أوروبا.
المرحلة الثالثة:
صراع الغضب المكظوم الذي أورثه اندحار الكتائب الصليبية من تحته بغضاء متوهجة عنيفة، ولكنها مترددة، يكبحها اليأس من اختراق دار الإسلام مرة ثالثة بالسلاح وبالحرب، فارتدعت لكي تبدأ في إصلاح خلل الحياة المسيحية بالاتكاء الشديد الكامل على علوم دار الإسلام، ولكي تستعد لإخراج المسيحية من مأزق ضنك موئس، وظلت على ذلك قرنًا ونصف قرن.
وهذه المراحل الثلاث كانت ترسف في أغلال "القرون الوسطى"؛ أغلال الجهل والضياع، ولم تصنع هذه المراحل شيئًا ذا بالٍ.
المرحلة الرابعة:
صراع الغضب المشتعل بعد فتح القسطنطينية، يزيده اشتعالاً وتوهجًا وقود من لهيب البغضاء والحقد الغائر في العظام على "الترك" -أي المسلمين-، وهم شبح مخيف مندفع في قلب أوروبا، يلقي ظله على كل شيء، ويفزع كل كائن حي أو غير حي بالليل وبالنهار، وإذا كانت المراحل الثلاث الأول لم تصنع للمسيحية شيئًا ذا بال، فصراع الغضب المشتعل بلهيب البغضاء والحقد هو وحده الذي صنع لأوروبا كل شيء إلى يومنا هذا.
صنع كل شيء؛ لأنه هو الذي أدى بهم إلى يقظة شاملة قامت على الإصرار، وعلى المجاهدة والمثابرة على تحصيل العلم وعلى إصلاح خلل الحياة المسيحية، ولكن لم يكن لها يومئذٍ من سبيل ولا مدد إلا المدد الكائن في دار الإسلام من العلم الحي عند علماء المسلمين أو العلم المسطر في كتب أهل الإسلام، فلم يترددوا، وبالجهاد الخارق وبالحماسة المتوقدة وبالصبر الطويل انفكت أغلال "القرون الوسطى" بغتة عن قلب أوروبا، وانبعثت "نهضة العصور الحديثة" مستمرة إلى هذا اليوم".
ولكون هذه المرحلة ممتدة حتى الآن فقد أفردها الشيخ "محمود شاكر" بالبحث منذ بدايتها "هزيمة القسطنطينية" مركزًا على دور الاستشراق "الغزو الثقافي" في هذه المواجهة، بالإضافة إلى التبشير والاستعمار.
اليقظة الأوروبية الحديثة وتعلم اللسان العربي وظهور المستشرقين:
بيَّن الأستاذ "محمود شاكر" الفكرة الأساسية لظهور المستشرقين، فقال: "كان كل مدد اليقظة كما قدمتُ مستجلبًا كله من علوم دار الإسلام، من العلم الحي في علمائه ومن العلم المسطر في كتبه، والسبيل إلى ذلك في الأمرين جميعًا كان معرفة لسان العرب، ولن أقص عليك التاريخ الطويل، ولكن اعلم أن لسان العرب كان له السيادة المطلقة على العالم قرونًا قبل ذلك طوالاً، وكانت المسيحية الشمالية مجاورة لهذا السلطان المطلق، ومصارعة لأهله صراعًا طويلاً تارة، ومخالطة لهم بالتجارة والرحلة وغيرها زمنًا طويلاً تارة أخرى، ولذلك كان هذا اللسان العربي معروفًا معرفة جيدة لطوائف من العامة والخاصة في ديار بيزنطة من ناحية، ومن قلب أوروبا نفسها لمجاورتها الأندلس.