شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الطريق إلى ثقافتنا (2)

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

ولن أشغل نفسي بالحديث عن هذا التاريخ -وقد مضت من قبل إشارة إليه خاطفة- فالذي يعنيني هنا ما كان عند بدء اليقظة في أوروبا، فبالهمة والإخلاص والعقل أيضًا كان لابد لهم أن يزداد عدد الذين يعرفون اللسان العربي ويجيدونه زيادة وافرة، لحاجتهم يومئذٍ إلى أن يعتمدوا اعتمادًا مباشرًا على الاتصال بالعلم الحي في علماء الإسلام؛ لكي يتمكنوا من حل الرموز اللغوية الكثيرة المسطرة في الكتب العربية، ولا سيما كتب الرياضة والجبر والكيمياء والطب والفلك وسائر علوم الصناعة التي قلَّ من يعرفها.

فكان من الأهداف والوسائل -كما ذكرتُ قبل- بعثة أعداد كبيرة ممن تعلموا العربية وأجادوها إجادة ما، تخرج لتسيح في أرض الإسلام تجمع الكتب "شراء أو سرقة"، وتلاقي الخاصة من العلماء وتخالط العامة من المثقفين والدهماء، وتدون في العقول وفي القراطيس ما عسى أن ينفعَهم في فهم هذا العالم الإسلامي الذي استعصى على المسيحية واستعلى قرونًا طوالاً، يخرجون أفواجًا تتكاثر على الأيام، ويجوبون أرجاء هذا العالم".

ثم بيَّن أن دورهم لم يقتصر على ذلك، وأنهم أضافوا إلى الاستفادة من علوم المسلمين أنهم صاورا جواسيس للساسة، وهم مَن مهد الطريق أمام الاحتلال.

فذكر عن المستشرقين أنهم بعد رحلاتهم المكوكية في بلاد المسلمين: "يعودون لإتمام عملين عظيمين: إمداد علماء اليقظة النصرانية بهذه الكنوز النفيسة من الكتب التي حازوها أو سَطوْا عليها، وإطلاعهم على ما وقفوا عليه فيها باذلين كل جهد ومعونة في ترجمتها لهم، وفي تفسير رموزها بقدر ما استفادوا من العلم بها.

وأيضًا: إطلاع رهبان الكنيسة وملوكها على كل ما علموا من أحوال دار الإسلام، وما رأوه عيانًا فيها، وما لاحظوه استبصارًا.

وكان أهم ما لاحظوه أو خبروه هذه الغفلةَ المطبقةَ على أرض الإسلام، والتي أورثهم إياها الاستنامة إلى النصر القديم على المسيحية والاغترار بالنصر الحادث بفتح القسطنطينية، ثم سماحة أهل الإسلام عامتهم وخاصتهم مع مَن دينه يخالف دينَهم، ولا سيما اليهود والنصارى؛ لأنهم أهل كتاب وأهل ذمة؛ ولأنهم أتباع الرسولين الكريمين موسى وعيسى ابن مريم -عليهما السلام-، ولأن دين أحدهم لا يسلم له حتى يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا يفرق بين أحد من رسله -سبحانه-.

وأعلَموا رهبانَهم وملوكهم أن هذا هو الذي يسَّر لهم أن يجوبوا في الأرض غير مُرَوَّعين، ويسر لهم خاصة أن يداهنوا العلماء والعامة وينافقوهم ويوهموهم بالمكرِ والمحال أنهم طلابُ علمٍ لا غير، خالصة قلوبهم لحب العلم والمعرفة... والله عليم بالسرائر".

خلاصة المرحلة الرابعة من الصراع: "غفلة هنا ويقظة هناك":

وانتهى الأستاذ "محمود شاكر" إلى وصف ما آلت إليه أحوال العالّمين الإسلامي والأوروبي بعد فتح القسطنطينية بقرنين، فقال: "من العسير -إن لم يكن من المحال الممتنع- أن أقص عليك في كتاب كبير قصة شعوب مختلفة، كثيرة العدد، تطاولت عليها أيام وتتابعت سنون منذ ذَرَّتْ عليهم شمس اليقظة، ثم انبسطت عليهم أشعتها حتى تحركت أوصال كل حي من جماهيرها الغفيرة، هذا محال، أفتظن إذن أني قادر على مثل ذلك في ورقات قلائل؟ كلا، فما هو إلا هذا الوصف السريع الخاطف.

تهاوت في أوروبا سدود الجهل وانبثقت اليقظة، وفتحت بعض مغاليق خزائن العلم وانقشعت "ظلمة القرون الوسطى"، ولاحت تباشير فجر جديد، واصطف الهمج الهامج كتائب تزحف في أيديها مصابيح ينبعث منها بصيص يضيء ليكشف غياهب الظلمات، واستنارت الطرق وازدحم على سلوكها كل مطيق للزحف، وبالصبر وبالجهد وبالجرأة وبالعزيمة وبنبذ التواني، صارت أوروبا قوة تمدها فتوح العلم الجديد بما يزيدها بأسًا وصرامة... ولا أقول: شال الميزان، بل أقول: بطل عمل الميزان، وصار في الأرض عالمَان: عالَم في دار الإسلام مفتحة عيونهم نيام يتاخم من أوروبا عالمًا أيقاظًا عيونهم لا تنام، وقضي الأمر الذي فيه تستفتيان!

وبدأت "المرحلة الرابعة" في الصراع بين المسيحية المحصورة في الشمال، وبين دار الإسلام التي تحجب عنهم من ورائها عالمًا مبهمًا مترامي الأطراف".

أسلحة المكر الثلاثة: "الاستشراق - التبشير - الاستعمار":

ثم إن العلامة "محمود شاكر" قد بيَّن كيف أعمل ثلاثة أسلحة مختلفة، ولكنها متعاونة، وهي: "الاستشراق - التبشير - الاستعمار".

وبيَّن أن الاستشراق في القلب منها، فقال: "فهذه ثلاثة متعاونة متآزرة متظاهرة، وجميعهم يد واحدة؛ لأنهم إخوة أعيان، أبوهم واحد، وأمهم واحدة، ودينهم واحد، وأهدافهم واحدة، ورسائلهم واحدة، ليس من همي هنا "التبشير" فقد فرغتُ من بعض شأنه في كتابي "أباطيل وأسمار"، وليس من همي هنا "الاستعمار"؛ لأنا ذقنا طرفًا من أفاعيله تجربة ومعاشرة، وإن كان من خذلان الله لنا أنا لم نفهمه فهمًا نافذًا شاملاً على الوجه الصحيح، ولكن همي هنا مصروف إلى "الاستشراق"؛ لعلاقته الحميمة بفساد حياتنا الأدبية والاجتماعية، ولأن حاجة "التبشير" و"الاستعمار" إليه حاجة كانت ملحة، وهي إلى اليوم حاجة دائمة، لا يستغنيان عنه ولا عن نصائحه وإرشاداته وملاحظاته طرفة عين، ومرة أخرى: لا تنسَ ما حييتَ أن هذه الثلاثة إخوة أعيان لأب واحد وأم واحدة، لا تفرق قط بين أحد منهم".

وبعد ذلك بيَّن الأستاذ "محمود شاكر" كيف استغاث المستشرقون بالساسة ليقوموا باحتلال بلاد المسلمين قبل أن تَستفحل النهضة التي قادها شيخ الإسلام "محمد بن عبد الوهاب"، و"الصنعاني"، و"الجبرتي"، و"الزبيدي" و"علماء الأزهر".

وهو ما سوف نوضحه في المقالة القادمة -بإذن الله-...

الصفحة السابقة