منطلقات شرعية للدعوة السلفية
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
أولاً: الفرق بين الحكم والفتوى:
من القواعد الأصولية المستقرة أن الحكم الشرعي ثابت بينما تتغير الفتوى بتغير الزمان والمكان، وليس المقصود هنا ما يذهب إليه كثير من العالمانيين محاولة منهم لإثبات نسبية الشرعية فيزعمون أنه يمكن العدول مثلاً عن تطبيق الحدود إلى عقوبات أخرى يراها المعاصرون أكثر شفقة بدعوى أن هذا من تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان، وربما استدلوا بفعل عمر -رضي الله عنه- من عدم إقامة حد السرقة في عام المجاعة.
وهذا المثال ذاته يصلح لكي نوضح منه القضية، وهي أن الحكم الشرعي هو قطع يد السارق بشروط معينة، وأن القاضي مسئول عن تطبيق هذه الشروط لكي يصدر الحكم القضائي بقطع يد شخص بعينه إذا ثبتت عليه التهمة واكتملت شروط إقامة الحد، وأما إذا لم تثبت عليه التهمة فيقضي بالبراءة، وإذا ثبتت مع تخلف شرط من شروط إقامة الحد أو وجود مانع فيقضي بعقوبة تعزيرية.
وهذه الأحكام القضائية الثلاثة هي تطبيق لنفس الحكم الشرعي على وقائع مختلفة، ومثل ذلك المفتى الذي يطبق حكمًا شرعيًّا على واقع أمامه ليسمى ذلك فتوى.
استطراد:
قاعدة التفريق بين الحكم والفتوى قاعدة شريفة لها أهميتها البالغة، ومع هذا يسيء كثير من العالمانيين استعمالها -كما ذكرنا-، ولكن بعض الإسلاميين قد يقع في ذات الأمر، بل في أفدح منه!
ومن ذلك: ما قاله الدكتور "محمد يسري إبراهيم" الأمين لعام للهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح في معسكر الهيئة بالإسماعيلية: حيث ذكر الإنكار على الرئيس إذا خالف الشرع ثم عاد فاستدرك على نفسه قائلاً: "إن هناك أمورًا ظاهرها المعصية ويكون باطنها الطاعة لما في علم الرئيس من أمور... !" ثم ضرب لذلك مثلاً بصلاة الرئيس في المساجد التي فيها قبور، وأن هذا الأمر جاء تطمينًا للصوفية بعد إذ ذعرتهم فتاوى سلفية بحرمة الصلاة في مساجدهم!
وفي الواقع لا أدري أيهما أكثر فسادًا: القاعدة التي قعدها والتي لم يقل مثلها لأبي بكر وعمر -رضي الله عنهما-، ولم يطلب أحدٌ منهما من الناس إذا رأوا منه خللاً أن يستصحبوا أن ثمة أمورًا "يعلمها الخليفة ولا تعلمها الرعية"، بل قال كل منهما: "إذا أحسنت فأعينوني، وإذا أخطأت فقوموني" - أم المثال الذي ضربه والذي ليس فيه أمر سري لا يعلمه إلا الرئيس؟!
ولكن العلة التي قلبتْ الحرام -بل ذرائع الشرك!- حلالاً، بل مندوبًا إليه كما يبدو من كلامه "علة ظاهرة" كان ينبغي على الرئيس وعلى الدكتور "محمد يسري" مِن بعده أن يعرضاها على أهل العلم ليروا فيها رأيهم، وهل يصلح مثل ذلك حجة لإباحة مثل هذا الأمر الجلل أم لا يصلح؟!
وعلى فرض صدور فتوى من علماء معتبرين بهذا الأمر، فسيكون الأمر حينئذٍ من باب تغير الفتوى بتغير الأحوال وفي صورة يستوي العلم فيها بين الرئيس وغيره، وليست من باب أن الرئيس قد يفعل ما ظاهره الفساد عندنا وباطنه الصلاح عنده، وهو أمر لا يثبت عند أهل السنة إلا في قصة الخضر -عليه السلام-.
وقد كنتُ أعرضتُ عن التعليق على هذا المقطع حتى كرر الشيخ "محمد عبد المقصود" ذلك، وعلى محفل عام حينما نصح الرئيس في شأن دخول الشيعة مصر، ثم استدرك على نفسه بأن الرئيس يعلم ما لا نعلم مع أن "وزير السياحة" قد أعلن ذلك الذي لا يعلمه الدكتور "محمد عبد المقصود" وهو أن المتوقع من السياحة الإيرانية أرباح قيمتها ربع مليار دولارًا سنويًّا، وهو ما جعل الدكتور "أحمد فهمي" رئيس مجلس الشورى يقول: إنه لا يمكن أن يضحي بـ 19 مليار دولارًا هي قيمة تحويلات المصريين في الخليج لصالح ذلك الربع!
وعلى أية حال فهذا المسلك لا نعلم أن أحدًا من أهل العلم قد قرره لحاكم "حتى رسول الله" -صلى الله عليه وسلم- الذي ما زال الناس يراجعونه في بعض الأمور حتى يخبرهم أن الوحي قد جاء به كما في "صلح الحديبية".
وأعجب من ذلك قول أحد الكتاب الإسلاميين إن مشكلة الرئيس "مرسي" أنه لا يجد من يفتيه بأن الضرورات تبيح المحظورات بينما عنده من يعطيه هذه القاعدة ويعطيه معها تفويضًا بتطبيقها دون أن يتفضل علينا ببيان تلك الضرورة.
عود إلى القاعدة:
المهم هنا أن نبيِّن أن قاعدة: "الفرق بين الحكم والفتوى" ولئن كانت هامة في مجال الفتوى ومجال القضاء الشرعي فإنها في باب الحركة من الأهمية بمكان حيث يكون للمركب الواقعي في تلك المواقف -تقدير المصالح والمفاسد- دور كبير في اتخاذ المواقف، فإذا لم يكن ثمة وضوح تام في بيان الحكم الشرعي المجرد ثم بيان الواقع ثم تطبيق الحكم على الواقع، فقد ينشأ من هذا تباين في المواقف؛ نتيجة لاختلاف الظروف والملابسات.
وقد اهتمت "الدعوة السلفية" في هذا الباب اهتمامًا بالغًا أعطى لأبنائها ممن يحرص على تدارس هذه القضايا رسوخًا واطمئنانًا، وإن كان بعض المراقبين من التيار الإسلامي أو من خارجه لا يدرك هذه الأمور فتلتبس عليه، ويظن أن بعض مواقف الدعوة قد تتناقض!
وفي المقابل: قد يطلب منا البعض القبول بمخالفة الأحكام الشرعية الثابتة، ولو من باب المناورة السياسية!
ومن ذلك: لجوء البعض إلى خطاب التكفير كتكتيك تحقيق مصلحة معينة أو التلويح باستعمال العنف مع مجتمع مسلم ولو من باب التكتيك، ووجود ذلك الخطاب وصدوره من بعض الإسلاميين في بعض المحافل كفيل بمقاطعتنا لها.
ومن القواعد الهامة التي ينبغي أن تدرك: أن الكلام هو وسيلة التواصل وإيصال المعاني بين البشر، وقد يقول قائل كلامًا يفهم منه تكفير أناس معينين، ثم إذا محص الكلام بين طلبة العلم وجد أنه قد يحمل على غير هذا المعنى، وفي أزمنة الفتن يكون هذا الأمر غير مقبول بالمرة، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: ( أَيُّمَا رَجُلٍ قَالَ لأَخِيهِ: يَا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا ) (متفق عليه) .