شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

منطلقات شرعية للدعوة السلفية

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

فإذا تكلم داعية ما بكلام ثم وجدتَ معظم مَن سمعه يفهم منه أنه كفر طائفة ما من المجتمع؛ فهذا يوجب عليه ابتداءً ثم على المؤسسات التي ينتمي إليها والجهات التي نظمت المؤتمرات التي تكلم فيها - التبرؤ الواضح الصريح من مثل هذا الكلام حتى لا نجني على دعوتنا، ولا ندخلها إلى أنفاق البدعة التي تستوجب سخط الله -عز وجل- من جهة، ونضعها في مواجهة مع المجتمع من جهة أخرى.

عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، أَنَّ رَجُلا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ اسْمُهُ عَبْدَ اللَّهِ، وَكَانَ يُلَقَّبُ حِمَارًا، وَكَانَ يُضْحِكُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَكَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَدْ جَلَدَهُ فِي الشَّرَابِ، فَأُتِيَ بِهِ يَوْمًا فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: اللَّهُمَّ العَنْهُ، مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( لاَ تَلْعَنُوهُ، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) (رواه البخاري) .

ونحب هنا أن نؤكد على معانٍ هامة توجد مبثوثة في غير هذا المقال إلا أن جمعها في سياق واحد قد يفيد في فهم موقف "الدعوة السلفية" من الأحداث السياسية قبل "ثورة يناير" وبعدها، وبصفة خاصة الأحداث الأخيرة المرتبطة بتظاهرات "30 يونيو".

وهذه المسائل هي:

أولاً: الفرق بين الحكم والفتوى، وقد فرغنا منها.

ثانيًا: تكييف نظم الحكم المعاصرة والعلاقة معها.

ثالثًا: الموقف من المشاركة في الحكم في ظل نظم الحكم المعاصرة.

رابعًا: موقع الوصول للحكم من منهج التغيير.

خامسًا: هل الغاية في الشرع تبرر الوسيلة؟!

سادسًا: الفرق بين المداهنة والمداراة.

سابعًا: الموقف من حرمة الدماء.

ثامنًا: مراعاة المصالح والمفاسد والمآلات فيما نقدم عليه من تصرفات، وخصوصًا في البابين:

- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

- الجهاد في سبيل الله.

تاسعًا: قاعدة: "معرفة الحق ورحمة الخلق"، ومن فروعها:

- التحذير من التكفير بغير مكفر؛ كالذنوب والمعاصي.

- العذر بالجهل والتأويل والخطأ.

- الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة.

عاشرًا: الانتماء إلى الجماعات الإسلامية بين الإفراط والتفريط.

ثانيًا: تكييف الحكومات المعاصرة:

قبل الثورة كانت الحركات الإسلامية تختلف في شأن الحكومات المعاصرة إلى أصناف، يمكن تلخيصهم فيما يأتي:

1- فريق يعارِض الحكومات المعاصرة من باب الانحرافات الجزئية دون الدخول في تفاصيل المشروعية، ومن أمثلتها: "جماعة الإخوان" التي بايعت "مبارك" في أول حكمه، ثم اتجهت إلى معارضته بعد انتشار الفساد في حكمه، وعندما طُرح التوريث أعلنتْ قبولها بشروط "إصلاحية"!

2- فريق آخر كان يكفِّر الحكام المعاصرين؛ نوعًا وعينًا، وهؤلاء كان منهم مَن يتورط في سحب هذا التكفير على كل المجتمع، مثل: جماعات التكفير، أو على الأقل يُخرِج عوام المسلمين من مسمى الإسلام وإن لم يدخلهم في الكفر، كجماعات: "التوقف" و"القطبيين".

3- فريق كان ينافح عن الحكام المعاصرين ويخلع عليهم صفات الإمامة، وبداية هذا الفريق كانت مع حكام السعودية خاصة حيث يتولى الحكام هناك باسم الشرع، وحيث تطبق الشريعة في النظام القضائي، ثم طردوا قاعدتهم حتى على غلاة الحكام، كالـ"قذافي" و"الأسد"! وهم الفريق المعروف إعلاميًّا بـ"المداخلة".

ومِن بيْن هؤلاء... قررت "الدعوة" هذه القواعد:

1- وظيفة رئاسة الدولة في الدساتير المعاصرة حتى التي فيها مرجعية الشريعة تختلف اختلافا كليًّا عن وظيفة الإمامة.

2- مَن لا يطبِّق الشريعة ويقضي بتحكيم غيرها مرتكب لكفر أكبر، وأن المعين منهم ممن يدعي إكراهًا أو تدرجًا أو... لا يكفر بعينه حتى تقام عليه الحجة.

3- الإنكار الشديد، بل والدخول في مواجهات فكرية شاملة مع من يكفر عوام المسلمين.

4- رفع قاعدة: ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ) (المائدة:2) ، وقاعدة: ( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لاَ يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ إِلا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا ) (رواه البخاري) ، مع الجميع، ومنها: الحكومات المعاصرة فيما تتولاه من مصالح العباد الشرعية والمباحة.

ومِن الملاحظ: أن بعد الثورة "ونتيجة عدم وضوح التأصيل الذي أشرنا إليه" حدث تبادل للمواقع بين بعض المداخلة وبعض مَن كانوا يكفرون الحكام لمجرد وصول رئيس الإسلامي إلى الرئاسة!

ولا ندري على أي أساس اختلف الحكم جذريًّا عند كل منهم؟!

وكيف يمكن لشخص مثل "أسامة القوصي" أن يوالي "مبارك" ويعتبره ولي أمر، بينما يعادي الدكتور "مرسي" ويعتبره أنه ممثل لجماعة مبتدعة؟!

وكيف لخطباء أجلاء كم نقلوا لنا وقائع لنصح "الحسن البصري"، و"سعيد بن جبير"، و"العز بن عبد السلام"، وغيرهم لملوك وخلفاء حكموا بالشريعة وجاهدوا في سبيل الله، ومع هذا قرَّعهم العلماء على أخطاء ارتكبوها ومظالم فعلها أعوانهم - كيف لهؤلاء أن يكونوا اليوم ممن ينادي بالسكوت على أخطاء الرئيس لمجرد كونه إسلاميًّا؟! "أي على الأقل أن نوجِّه له النصيحة مشفوعة بحقه الكامل في القبول أو الرد".

ومن ذلك: أن أحد الرموز المؤيدة لهذا القول قد استدل بقصة مفادها أنه في استقبال الدكتور "مرسي" للعلماء والدعاة أثقل عليه بعضهم في شأن عدم اختيار نائب قبطي، وأنهم لما أكثروا عليه انبرى لهم الدكتور "محمد يسري إبراهيم" قائلاً: "جئتم ناصحين أم آمرين؟!"، فقالوا: "جئنا ناصحين"، فقال: "فقد أديتم النصيحة!".

وهي حجة جدلية استعمل فيها الجدل الممزوج بسيف الحياء! والإجابة لمن لم يرفع عليه ذلك السيف: أنهم جاءوا آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر كما أمرهم الله، وأن هذا هو دورهم مع الحاكم؛ لا سيما إذا كان الحاكم لم يبلغ رتبة الاجتهاد المطلق، ولا المقيد، ولا عُلم عن بطانته الاشتغال بالعلم!

الصفحة السابقة الصفحة التالية